الإخفاق في الانتخابات المصرية دليل أزمة الأحزاب اليسارية

روّج اليسار المصري خلال العقود الماضية لنفسه كمعارض رئيسي للأنظمة السياسية، ونجح في استثمار هذه الصورة عند اندلاع ثورة 25 يناير 2011، ثم ثورة 30 يونيو 2013. بعد ذلك، انتظر أنصار التيار اليساري أن تكون تلك بداية عودة قوية لليسار وفرصته ليحوّل شعاراته إلى واقع؛ لكن تجربة اليسار خلال السنوات التي تلت سقوط نظامي مبارك والإخوان، تؤكّد أن أزمة هذا التيار التي بدأت منذ حوالي ربع قرن متواصلة، وكشف في العديد من المناسبات أن أغلبه يكتفي بانتقاد الآخر دون ردة فعل ملموسة، وما يقال عن اليسار المصري يقال أيضا عن اليسار العربي عموما.
الخميس 2015/11/05
برامج اليسار الحالمة وشعاراته النخبوية بعيدة عن النبض الحقيقي للمواطنين

القاهرة - جاءت الانتخابات البرلمانية التي أجريت مؤخرا في مصر، لتؤكّد حالة الضعف والانشقاق التي تعاني منها أحزاب اليسار بما جلعها، كما في الانتخابات التي سبقتها، تخرج دون نتيجة تذكر. وإثر الفشل الذي منيت به الأحزاب اليسارية عموما في الجولة الأولى، التي انتهت الأسبوع الماضي، دعت بعض الأصوات داخل أحزاب اليسار المصري، إلى التوحد داخل كيان يعبّر عن أفكاره بكافة صورها واتجاهاتها. وقد دفع الإخفاق الكثير من قيادات اليسار للقيام باتصالات مع الأحزاب المنتمية لهذا التيار، والبحث عن صيغة تلتئم تحتها جميع القوى التي تتبنى أفكاره خلال المرحلة المقبلة، أملا في تصويب المسارات.

بدا الإحباط ظاهرا على وجوه بعض القيادات التاريخية لهذا التيار، لأنها لم تتمكن من حصد سوى مقعدين، حصلت على أحدهما الناصرية نشوى الديب، والآخر كان من نصيب هيثم أبوالعز الحريري (مستقل)، من بين 273 مقعدا في المرحلة الأولى، وغير متوقع أن تحصل على المزيد في المرحلة الثانية، التي سوف تجرى أواخر الشهر الجاري.

وكالعادة، وجدت الأحزاب اليسارية أسبابا تحمّلها خسارتها، حيث أرجعت قيادات في أحزاب التجمع والتحالف الشعبي والاشتراكي المصري والشيوعي المصري، الفشل إلى تنامي نفوذ رأس المال السياسي على العملية الانتخابية واتساع نطاق الدور القبلي. لكن، هذه التبريرات لم تكن مقنعة لكثيرين، لأن هذه العوامل كانت موجودة بنسب ودرجات متفاوتة في جميع الانتخابات التي مرّت على مصر خلال العقود الماضية، ومع ذلك كانت قوى اليسار تحصل على مقاعد تجعلها ممثلة بشكل أفضل من هذه الانتخابات.

الحاجة إلى التطوير

رجّح مراقبون فشل اليسار إلى الحاجة لتجديد وتطوير الخطاب اليساري بما يتلاءم مع التطورات السياسية وتحقيق مطالب المواطنين، فضلا عن ضرورة وقف حالة التفسّخ والتشرذم التي يعاني منها التيار.

وكشف عبدالغفار شكر، رئيس حزب التحالف الشعبي، عن بدء اتصالات مع قيادات الأحزاب اليسارية، لتوحد في كيان كبير يعبر عن الوجه الاشتراكي الحقيقي في مصر. وأكّد لـ“العرب” أن الفشل الذي مني به اليسار يستوجب على جميع القوى اليسارية إعادة النظر في مواقفها السياسية. ودعا قيادات الأحزاب المحسوبة على تياره إلى التوحد في حزب واحد، مع تغيير واضح في الخطاب السياسي الموجه إلى الجماهير والحديث في أمور تهم المواطنين والتفاعل مع مشكلاتهم اليومية، كالبطالة وارتفاع الأسعار والأزمات الاقتصادية المتفاقمة.

وأكّد شكر، وهو يشغل أيضا منصب نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أن فكرة التعيين في البرلمان لقيادات اليسار غير متوقعة (يمنح الدستور المصري رئيس الجمهورية حق تعيين نائب ونائبة في البرلمان)، وأن الرئيس غير ملزم بتعيين ممثلين عن تيار فشل في حصد مقاعد برلمانية.

وقال مدحت الزاهد، نائب رئيس حزب التحالف الاشتراكي لـ“العرب”، إن الفشل ليس حصريا على اليسار المصري، فالواقع يؤكد أنه فشل ذريع للقوانين والنظم ولكل القوى التي خرجت من رحم ثورة 25 يناير. وفي تقدير الزاهد يبدو المشهد الانتخابي “متمّما لإغلاق المجال العام وسد الأفق السياسي والتضييق على الحريات واتخاذ إجراءات استثنائية بذريعة مكافحة الإرهاب”.

جهاد عودة: ارتباط اليسار المصري بالسلطة لمدة طويلة أدى إلى إضعافه

وتعتبر بعض القوى السياسية القوانين التي نظمت العملية الانتخابية، خاصة القائمة المطلقة، بأنها مأخوذة من نظم استبدادية، وأن النظام الانتخابي ساعد بعض القوى التقليدية أو ما يسمّى بـ“جماعة مبارك” على العودة إلى صدارة المشهد، الذي حول الانتخابات إلى معركة بين التيار الإسلامي، ممثلا في حزب النور السلفي ورجال الأعمال وأصحاب العصبيات والقبائل.

وتخوض الأحزاب اليسارية الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية المقرر انطلاقها نهاية الشهر الجاري بـ17 مرشحا، 13 منهم ينتمون إلى حزب التجمع و3 للحزب الاشتراكي المصري ومرشّح واحد للتحالف الشعبي، فضلا عن 5 مرشحين مستقلين بالنظام الفردي، ينحدرون أصلا من التيار نفسه، لكنهم فضّلوا الاعتماد على نفوذهم بدلا من أحزابهم. وحول استعدادات قوى اليسار لهذه الجولة، قال الزاهد إن حزب التحالف الشعبي لديه مرشح واحد في المرحلة الثانية بمحافظة الإسماعيلية (شرق القاهرة)، مشيرا إلى أنهم مستمرون في التنسيق مع أحزاب التيار الديمقراطي حول المقاعد الفردية.

أوضح يسري العزباوي، رئيس منتدى الانتخابات بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، أن هناك عدة أسباب وراء إخفاق اليسار في الجولة الأولى، أهمها تشرذم تياراته وانقسام وأحزابه. وأضاف لـ“العرب” أن جمهور اليسار ينحصر في فئة نخبوية لم تستطع التواصل مع المواطنين، كما أن أفكاره لا تستهوي الكثير من الناخبين، وبرامجه بعيدة عن النبض الحقيقي للجماهير، فهي لا تلامس جيّدا احتياجات البسطاء، مع أن هؤلاء هم هدف الأفكار النظرية لليسار. لكن، لا يمكن إنكار الدور الكبير للمال السياسي في الانتخابات، وهو ما لا تملكه قوى اليسار، التي يتسّم جميعها بضعف الإمكانيات وغياب الموارد، عكس غالبية الأحزاب الليبرالية التي يموّلها رجال أعمال، الأمر الذي منح الأخيرة قدرة أكبر على الوصول إلى الشارع.

الاشتراكيون الثوريون

رغم قلة عددهم، إلا أن ما يسمّى بالاشتراكيين الثوريين، يمثلون إحدى أهم قوى اليسار الحركي في مصر حاليا، وأصبحوا أبرز الجماعات المشاكسة سياسيا، حتى بدا أنها تحتفظ بمسافة قريبة من جماعة الإخوان، متناسية البون الفكري الشاسع معها، لكن العداء المشترك للنظام المصري الحالي وضعهما في خندق سياسي متقارب.

محمود عزت، القيادي الاشتراكي قال لـ“العرب”، إن الحديث عن انتساب حزب مثل التجمع لتيار اليسار أمر مجحف للغاية، كما أن بعض الأحزاب التي تتبنى الفكر الاشتراكي حاليا، ليست لها علاقة باليسار الحقيقي، لا من قريب أو من بعيد، لأنها تخلت عن الثوابت التي ينطلق منها، منوّها إلى أن بعضها يمارس سياسة يمينية، ويلقي بنفسه في أحضان النظام الحاكم. في المقابل، قال جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان (جنوب القاهرة)، إن ذلك يعود إلى ارتباط اليسار المصري بالسلطة لمدة طويلة.

عبدالغفار شكر: الرئيس غير ملزم بتعيين ممثلين عن تيار فشل في حصد مقاعد برلمانية

وأوضح عودة لـ“العرب” أن الأصل في اليسار العمل لصالح الطبقات المطحونة، لكن البيروقراطية أفسدته وجعلته يعمل لصالح الدولة. ولخّص عودة أزمة اليسار في مصر، بأنه لم يبلور رؤية للصراع الطبقي خارج رؤية السلطة، فأصبح لا يتمتع بمناعة اجتماعية بل تحول إلى جزء من السلطة، داعيا إلى فكّ الارتباط حتى يعود اليسار كقوة تغيير ثورية ومنبع إصلاح حقيقي.

بريسترويكا مصرية

دعا حسين عبدالرازق، الأمين العام السابق لحزب التجمع، قيادات الأحزاب اليسارية إلى القيام ببريسترويكا مصرية لتجربتهم ومواجهة مشاكلهم وخلافاتهم، من أجل القيام بالدور الذي ينتظره الشعب من اليسار. وأكد لـ“ العرب” أن قدرة اليسار على تصحيح التجربة واستعادة ثقة الشعب من جديد، ربما تساهم بشكل كبير في إثراء الحياة السياسية والاقتصادية. ورفض عبدالرازق فكرة توحد اليساريين في حزب واحد، موضّحا أن اليسار الغربي يعتمد التعددية بين أطرافه وفصائله، وهناك أكثر من ممثل لليسار في كل من فرنسا وإيطاليا. وأرجع محمد الأشقر، المنسق العام لحركة كفاية، ضعف الأحزاب اليسارية إلى ظروف نشأتها، حيث كان معظمها مخترقا من قبل أجهزة الأمن، فضلا عن الطبيعة الغامضة لبعض الرموز اليسارية، والتي دفعتهم أحيانا إلى أحضان السلطة.

وأضاف لـ“العرب” أن هناك حالة من السلبية تغلّف تعامل اليسار مع الجماهير، في ظل حالة الفقر المادي التي تعاني منه غالبية أحزابه، مشيرا إلى أن حال اليسار العربي عموما، ليس أفضل حالا من نظيره المصري، فما يحدث في مصر يؤثر بشكل كبير على باقي الوطن العربي.

وتوقع القيادي الناصري أن يستعيد اليسار دوره بعد أن يدرك رموزه الحاليون أن وقتهم انتهى، ويتركوا الفرصة لجيل جديد، وبعد أن يدرك التيار القومي المتشرذم، الذي يعتبر قاطرة التقدم لقوى اليسار العربي، أنه قادر على القيام بهذا الدور المحوري. وأرجع ماجدي البسيوني، رئيس تحرير جريدة العربي الناصري، فشل دعوات التوحّد بين الأحزاب اليسارية، إلى عدم وجود الكادر الجامع أو المظلة الشاملة لليسار.

6