الإخفاق في السيطرة على التضخم يُفقد الاقتصاد العالمي قوة الدفع

الاقتصاد العالمي شهد ارتفاعا في التضخم مع إنفاق تريليونات من الدولارات على شكل حزم تحفيز من الحكومات والبنوك المركزية.
الجمعة 2021/06/18
انفجار في الطلب على الاستهلاك

اعتبر محللو اقتصاد أن الإخفاق في السيطرة على جموح التضخم بسبب حزم التحفيز المالي التي قدمتها حكومات العالم بات هاجسا كبيرا لواضعي السياسات النقدية وخاصة البنوك المركزية، التي يبدو أنها أمام تحدّ لم تكن تتوقعه خاصة مع القفزة الكبيرة في الاستهلاك بعد تخفيف قيود الإغلاق.

لندن - شهد الاقتصاد العالمي ارتفاعا في التضخم هو الأسرع منذ 14 عاما مع إنفاق تريليونات من الدولارات على شكل حزم تحفيز من الحكومات والبنوك المركزية في مواجهة تداعيات جائحة كورونا.

جاء ذلك في وقت يتسارع فيه تعافي نمو الناتج الإجمالي العالمي مع اتساع عمليات التطعيم ضد فايروس كورونا، والتي سمحت بتخفيف القيود على الأنشطة الاقتصادية خصوصا في الاقتصادات الكبرى كالولايات المتحدة والصين وأوروبا.

وبينما كانت السيطرة على نمو التضخم هدفا عالميا خلال 2020 بسبب تراجع الطلب العالمي على الاستهلاك بالتزامن مع الجائحة، تحول اليوم إلى هاجس دولي بفعل حزم التحفيز المالي التي قادت إلى قفزة كبيرة في الاستهلاك.

وقفز معدل التضخم السنوي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 38 دولة تمثل نحو 60 في المئة من الاقتصاد العالمي إلى 3.3 في المئة في أبريل الماضي من 2.4 في المئة في مارس الماضي، ليبلغ أعلى مستوى منذ 2008.

وجاءت الولايات المتحدة في مقدمة الدول صاحبة معدلات التضخم الأعلى بمعدل 4.2 في المئة في أبريل الماضي، وبينما تأتي المعدلات الطبيعية للتضخم بالنسبة إلى الدول المتقدمة عند اثنين في المئة، تصل في الدول النامية إلى 4 في المئة.

وتأتي تلك المعدلات التضخمية عقب حزم وحوافز مالية ضختها الحكومات الكبرى لدعم الشركات والبنى التحتية بهدف تعزيز التعافي الاقتصادي، ما أدى إلى زيادة الاستهلاك والطلب العالمي على السلع خصوصا الطلب على الطاقة.

وعلى سبيل المثال تهدف الولايات المتحدة إلى تقديم حزم تحفيز مالي من أجل إنعاش اقتصادها ستبلغ 4 تريليونات دولار، كما صرح الرئيس جو بايدن.

كما بدأ الاتحاد الأوروبي الأربعاء الماضي تفعيل خطة إنعاش اقتصادي تبلغ 750 مليار يورو (915 مليار دولار) ممولة بقرض مشترك أقرها برلمان الاتحاد أواخر العام الماضي.

ويرى الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أن اقتصادات العالم وقعت تحت قبضة الجائحة لمدة وصلت إلى عام ونصف العام، ما أدى إلى توقف النشاط الاقتصادي وانخفاض الاستهلاك بشكل كبير، وبالتالي تراجع الطلب العالمي.

ونقلت وكالة الأناضول عن عجاقة قوله إن “انخفاض الطلب العالمي على السلع بشكل عام أدى إلى تراجع معدلات التضخم، وعند ظهور اللقاحات ووجود حلول لمشكلة الجائحة إلى حد ما، عاد الاستهلاك إلى الصعود، وارتفعت معه معدلات التضخم مرة أخرى”.

جاسم عجاقة: حزم التحفيز دفعت الاستهلاك إلى الصعود وزاد معه التضخم

ولفت الخبير اللبناني إلى الرابط القوي بين الاستهلاك والتضخم من جهة، ومعدلات النمو من جهة أخرى، إذ كل منهما يشكل سببا ونتيجة للآخر في نفس الوقت.

وتوقع البنك الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 5.6 في المئة خلال 2021، بينما توقع صندوق النقد الدولي أن يحقق نموا بنحو 6 في المئة.

لكن تظل رهانات صانعي القرار على التحفيز الاقتصادي عبر ضخ حزم مالية ضخمة محل جدل كون تلك النظرية تعتمد على استغلال عامل اقتصادي واحد مع ثبات باقي العوامل.

وبحسب مقال لأستاذ الاقتصاد الأميركي نورييل روبيني نشرته صحيفة الغارديان البريطانية مؤخرا، فإن العديد من الحجج والمبررات العالمية ظهرت لتقول إن “التحفيز المالي لن يؤدي إلى تضخم كبير، لأن الأسر ستدخر جزءا كبيرا منه لسداد الديون التي تراكمت عليها خلال فترة الوباء، ما يحجم الطلب”.

ووفق روبيني “فإن الحجج تتحدث عن أن الاستثمارات في البنية التحتية لن تزيد الطلب فحسب، بل ستزيد العرض أيضا”.

لكنه يرى أن هذه المبررات ورغم وجود إشارات منطقية لها، إلا أن التضخم الصاعد أمر حاصل “لوجود طلب مكبوت على الاستهلاك سيتحرر مع هذه الحزم المالية” نشأ خلال فترة الإغلاق خلال 2020 والربع الأول من 2021.

وتوقع أنه على المدى القصير سيؤدي الركود في أسواق العمالة والسلع وفي بعض أسواق العقارات إلى منع حدوث طفرة تضخمية مستدامة. لكن على المدى الطويل فإن السياسات النقدية والمالية المتساهلة ستبدأ بإحداث ضغوط تضخمية مستمرة، وفق روبيني.

والأسبوع الماضي توقعت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) ارتفاع تكاليف الواردات الغذائية العالمية بنسبة 12 في المئة في 2021 إلى مستوى قياسي بسبب غلاء السلع الأساسية وزيادة الطلب.

وقالت المنظمة في تقرير إن “فاتورة واردات الغذاء حول العالم بما في ذلك تكاليف الشحن، من المتوقع أن تصل إلى 1.72 تريليون دولار هذا العام من 1.53 تريليون دولار في 2020”.

وارتفعت تكاليف الواردات السلعية بشكل عام اعتبارا من الربع الأخير من العام الماضي بسبب ارتباك في سلاسل الإمدادات سواء من أسواق المواد الخام أو الدول الصناعية نحو الأسواق الاستهلاكية.

وسجل المؤشر الشهري لأسعار المواد الغذائية أعلى مستوى في 10 سنوات خلال مايو الماضي، ما يعكس مكاسب حادة للحبوب والزيوت النباتية والسكر.

10