الإخلال بالآداب الجميلة

الخميس 2016/07/14

أمام هذا الزخم غير المعهود من الإنتاج الروائي في الوطن العربي، يحقّ لنا أن نتساءل عن دوافع إقبال الكتّاب على الرواية أكثر من سواها، وعن أسباب تضخّم عدد ممارسيها، حتى أولئك الذين لا يملكون خبرة ولا موهبة، فقد اختلط الحابل بالنابل حتى صار من الضروري اليوم غربلة المتن لفرز البُرّ عن الزؤان.

فأما المتمرّسون، فمنهم من يملك مشروعا روائيّا جادّا يبنيه لبنة لبنة، ومنهم من تبناها لأنها باتت موضة العصر العربي، الذي ما عاد يحتفي بالأجناس الأخرى قدر اهتمامه بالإنتاج الروائي. ومنهم من رأى فيها طريقا سهلا إلى الشهرة والكسب المجزي بعد انتشار جوائز مُطمِعة، فهجروا القصة والمسرح والدراسة والشعر والبحوث الأكاديمية، التي غدت دون الرواية أهمية من حيث ضمان الريع وشرف المنزلة.

وأما أولئك الذين اقتحموها دون سابق إلمام بشروطها وأدواتها الفنية فدوافعهم في الظاهر شبيهة بالفئة الأولى، من جهة الانخراط في الموضة والطمع في الشهرة، ولكنها في الواقع تذكّر بدوافع إقبال العرب على قصيدة النثر، حيث استسهلها خلق كثير لم ير فيها غير كلام منثور يلفه الغموض، فيما روّادها أتوها عن وعي تام بلغتها وإيقاعها الداخلي وصورها واستعاراتها ومجازاتها، وإن كانوا قد نهلوا في البدء من تجارب أعلام الشعر الفرنسي بخاصة والأوروبي بعامة.

هذه الفئة، التي تسيء إساءة بالغة إلى الأدب الروائي العربي، تضمّ في عمومها أناسا من شتى الأعمار ومن مختلف المجالات، حتى الدينية منها كالداعية عمرو خالد، والسياسية كبعض القادة العرب، جربوا الرواية دون وعي بشروطها الفنية، وأحيانا دون إلمام بقواعد اللغة أصلا، لمجرد أنهم يعتقدون أن لهم حكاية جديرة بأن تروى، أو تجربة تخرج عن مألوف التجارب، فإذا حالهم كحال من يخال نفسه فكاهيّا لمجرد أن نكاته تضحك أقرانه، أو قائدا سياسيا تعبده الجماهير لأن سكان حارته يشربون كلامه شربا، أو عندليبا جديدا لمجرد أن شلّته تطرب لأهازيجه.

ولعلّ السبب الأساس في استفحال هذه الظاهرة غياب سلطة نقدية صارمة، في حكمها الحدُّ بين الجودة والرّداءة، شريطة ألا تكون داخل المؤسسات الأكاديمية التي تسوّي عادة في تطبيقها المناهجَ الحديثةَ بين الجيّد والرديء، بل في الصحف السيارة والمجلات الأدبية والثقافية، على غرار ما هو موجود في البلدان الغربية. صحيح أن لا وجود لقانون يحظر على أيٍّ كان أن يقترف الضحالة، لا سيّما في إطار النشر على الحساب الخاص، ولكن فضحه وعقابه – أدبيًّا – أمرٌ واجبٌ، على الأقلّ بتهمة الإخلال بالآداب الجميلة.

كاتب من تونس مقيم في باريس

15