الإخواني الذي تحالف مع الشيطان

السبت 2013/09/21
أول رئيس دولة تصدر بحقة مذكرة توقيف

الخرطوم- بينما كانت الطائرة الرئاسية قاب قوسين من وجهتها، حتى فوجئ طاقم الرئيس السوداني عمر حسن البشير برسالة لاسلكية تمنعها من تجاوز المجال الجوّي السعودي في اتجاه العاصمة الإيرانية طهران.

استجدّى هذا الموقف، الذي تعرّض له الرئيس السوداني، مؤخّرا حينما كان عمر البشير متوجها لحضور مراسم أداء الرئيس الإيراني حسن روحاني القسم أمام مجلس الشورى.

ولم تكد وسائل الإعلام تتناسى هذه الحادثة، التي أسالت الكثير من الحبر، حتى منحتها واشنطن خبرا جديدا ملأ الإعلام وشغل الناس.

"على البشير تسليم نفسه للاهاي قبل زيارة نيويورك" هكذا اشترطت أميركا على الرئيس السوداني عمر البشير حتى تسمح له بدخول أراضيها وحضور أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ونصحت واشنطن الرئيس السوداني، الصادرة بحقه مذكّرة توقيف دولية، بعدم القيام بهذه الرحلة، لأنه "متهم بجرائم حرب".

تلقى البشير دعوة من الأمين العام للأمم المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وسلّمت الرئاسة السودانية جواز البشير إلى السفارة الأميركية في الخرطوم والتي أحالت الأمر على واشنطن لتحديد قرارها في شأن منحه تأشيرة دخول إلى أراضيها.

وردّت واشنطن، على لسان ماري هارف، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، بأنه "يتعين على البشير قبل أن يتوجه إلى مقر الأمم المتحدة أن يسلم نفسه للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي التي أعلنت لائحة الاتهام بحقه".

وفي حال تم رفض منح البشير تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الأمم المتحدة. لا يُستبعد أن تطرد الخرطوم القائم بالأعمال الأميركي أو تخفّض التمثيل الديبلوماسي بين البلدين وهو على مستوى القائم بالأعمال حاليا.

العلاقات المتوتّرة بين الخرطوم وواشنطن تعود إلى تسعينات القرن الماضي، أي منذ استيلاء الرئيس الإسلامي عمر البشر على الحكم، في انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب ديمقراطيا الصادق المهدي. وقد حدث ذلك في 30 يونيو-حزيران 1989.

منذ ذلك التاريخ دخل السودان، الذي كانت الانقلابات سمة تاريخه المعاصر، نفقا مظلما انتهى بتقسيمه وانفصال جنوبه الغنيّ بالنفط عنه.

الموقف الأميركي جاء على خلفية مذكّرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية سنة 2008 بحقّ الرئيس السوداني بتهم التورّط في جرائم حرب وإبادة خلال النزاع الدموي في إقليم دارفور، غربي السودان.

ورغم هذه المذكّرة وتعدّد البيانات الحقوقية التي تطالب بتطبيق قرار المحكمة الجنائية الدولية على الرئيس السوداني، إلا أن البشير سافر عدة مرات إلى دول عربية وأفريقية، وهو يعتبر أول رئيس دولة يمارس مهامه في الوقت الذي صدرت بحقه مذكرة اعتقال دولية.

وكانت فكرة حضور "مجرم حرب" صدر في حقه قرار اتهام إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أثارت مشاعر الغضب بين نشطاء حقوق الإنسان. وقالت رسالة وقعها أكثر من 20 من النشطاء "إنه أمر لم يسبقه مثيل أن يسافر شخص إلى الولايات المتحدة وتطلب المحكمة الجنائية الدولية اعتقاله فيما يتعلق بجريمة الإبادة". وأضافت الرسالة "إننا ندرك أن الحكومة الأميركية ملزمة بتسهيل زيارة الرئيس البشير بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لكننا نحثكم على بذل كل ما في وسعكم لمنع هذه الرحلة".

ويرفض البشير الاتهامات التي وجهها ضده مدعي محكمة الجنايات الدولية، لويس مورينو اوكامبو، الذي أكّد في أكثر من مناسبة أن لديه أدلة دامغة ضد الرئيس السوداني.


من الجيش إلى الرئاسة


في عام 1989 قاد العميد عمر البشير انقلابا عسكريا، أطاح بحكومة مدنية برئاسة الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، وأصبح رئيسا لمجلس قيادة ثورة الإنقاذ، ثم رئيسا للجمهورية. وهذا الانقلاب الذي سمي "ثورة الإنقاذ"، دعمه الإسلاميون، ومنذ ذلك التاريخ وهو رئيس للسودان ورئيس لوزرائه أيضا.

وكان السودان في تلك الفترة يجاهد من أجل النهوض بالوضع السيئ الذي يعيشه منذ نيل استقلاله عن بريطانيا سنة 1956، حيث اشتعلت الحرب الأهلية منذ قبيل إعلان الاستقلال واستمرت حتى 2005 وتخللتها فترات سلام متقطعة.

هذه الحرب كانت نتيجة صراعات بين الحكومة المركزية في شمال السودان وحركات متمردة في جنوبه وانتهت الحرب الأهلية بتوقيع اتفاقية السلام الشامل، بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان. ثم استقل جنوب السودان عام 2011 بعد صراع يعدّ الأطول في القارة الأفريقية.

ينحدر المشير عمر البشير من إحدى أكبر القبائل في بلد تلعب فيه القبيلة دورا محوريا ومحددا في السياسة. وقد قضى الرئيس السوداني عمر حسن البشير القسط الأكبر من حياته بين ثكنات الجيش -الذي التحق بصفوفه في سن مبكرة- وارتقى في سلمه إلى أعلى الدرجات، وكان بوابته إلى الرئاسة ثم وسيلته في إحكام السيطرة عليها على مدى أكثر من عشرين سنة.

وتعتبر فترة حكم البشير الفترة الأطول في تاريخ هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه نحو 40 مليون نسمة موزعين على عدد من القبائل المتنوعة، ويشكل المسلمون غالبية سكانه في الشمال والمسيحيون في الجنوب.

ولم تكن هذه الفترة من تاريخ السودان المعاصر أفضل من الفترات السابقة، فعمر البشير، الذي نصّب نفسه رئيسا، احتكر كافة السلطات وقمع الأحزاب السياسية وحلّ البرلمان، قبل أن تجري في شهر مارس-آذار 1993 انتخابات قوبلت بتنديد واسع ملحيا وعالميا.

قمع وديكتاتورية

رغم أنه وعد في برنامجه الانتخابي بدعم وحدة السودان ومنع الانقسام بين شماله وجنوبه، وحل أزمة دارفور وتحقيق التحول الديمقراطي الذي يؤسّس لحوار حرّ، فلم يقل مراقبون ومختصون في الشأن السوداني إن أيا من هذه الوعود لم يتحقق. فشطرا السودان الشمالي والجنوبي انقسما سنة 2011، وقد سبق ذلك اتفاق وقّعه الرئيس السوداني عمر البشير مع الزعيم الانفصالي في جنوب السوداني، جون غرنغ، سنة 2005، ويقضي هذا الاتفاق بوضع حد لصراع دام 21 عاما بين الشماليين والجنوبيين.

لكن بمجرّد أن انفصل الشطران اندلع صراع دموي آخر بينهما- ولايزال متواصلا – حول منطقة إيبي الغنية بالنفط.

عمر البشير
ولد الرئيس السوداني عمر البشير في العام 1944 في قرية حوش بانقا، شمال الخرطوم. كان منذ شبابه يفضل الالتحاق بالجيش. وقد ارتقى بسرعة في المراتب العسكرية وشارك إلى جانب الجيش المصري في الحرب الإسرائيلية العربية في العام 1973.

وتولى قيادة اللواء الثامن في الجيش بالجنوب في الحرب الأهلية التي اندلعت في 1983 بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان. في 30 يونيو 1989، أطاح العميد البشير ومجموعة من الضباط بالحكومة برئاسة الصادق المهدي في انقلاب عسكري دعمته الجبهة الإسلامية الوطنية بقيادة حسن الترابي.

والرئيس السوداني عمر البشير أول رئيس دولة تصدر بحقه مذكّرة توقيف دولية وهو لا يزال يباشر مهامه.

أما حريّة التعبير والمعارضة السياسية فهي في أدنى مراتب الحريات المسموح بها في السودان، حيث يمارس نظام البشير عمليات قمع ضدّ المعارضين والصحفيين، وتم حظر عدد من الكتب والروايات في السودان. وقد أوقفت السلطات السودانية العام الماضي أكثر من 4 صحف، على رأسها صحيفة "التيار"، "رأي الشعب"، و"الميدان" ومنعت أكثر من 17 صحفيا من الكتابة، بالإضافة إلى منع الصحفيين من الكتابة في عدة قضايا مفصلية في السودان.

ويحتل السودان مرتبة متأخرة جدا، في ترتيب التصنيف السنوي لحرية الصحافة، الذي أصدرته منظمة "مراسلون بلا حدود".

وقالت المنظمة إن السودان جاء في المرتبة 170 ويقع ضمن الدول العشرة الأسوأ والأقل احتراما لحرية الصحافة، التي على رأسها إيران وكوريا الشمالية وإريتريا، في مؤشر حرية الصحافة لسنة 2013.

وقال الناشط الحقوقي والكاتب الصحفي السوداني فيصل الباقر : " للأسف السودان على مدى سنوات طويلة ظل يحتل موقعا متأخرا جدا في قائمة الدولة المنتهكة لحرية الصحافة والتعبير والحق في الحصول على المعلومات والدليل هو الصحف التي تم إغلاقها خلال العام الماضي".

وكشف الباقر أن جهاز الأمن هو الذي يتحكم في الصحافة بعيدا عن الأجهزة القضائية والعدلية.

وأزمة دارفور التي وعد الرئيس السوداني عمر البشير بحلّها كانت السبب وراء إصدار مذكّرة دولية باعتقاله من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة.

وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت أمرين بالقبض على عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.

ويتضمن هذان الأمران، اللذان صدرا في عامي 2009 و2010، توجيه تهم إليه بالمسؤولية الجنائية عن 10 جرائم، من بينها القتل والإبادة ونقل سكان قسرا والتعذيب والاغتصاب.

والبشير ثالث رئيس دولة تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحقه بعد رئيس ليبيريا السابق تشارلز تايلر والرئيس السابق ليوغسلافيا سلوبودان ميلوسوفيتش.

غير أن الفرق بين البشير وسابقيه، هو أن تايلر وميلوسوفيتش طلبت المحكمة اعتقالهما بعد أن تركا منصبيهما، أما الرئيس السوداني فصدرت مذكرة الاعتقال بحقه وهو ما يزال رئيسا يعتبره بعض السودانيين المؤييدين له "رمزا من رموز البلد"، فيما يرى فيه معارضوه "ديكتاتورا" يجب الإطاحة به أسوة بنظرائه من الرؤساء العرب الذين سقطوا في انتفاضات "الربيع العربي".

13