الإخوان العثمانيون.. تحالفات أيديولوجية ومعاداة للدولة الوطنية

الاثنين 2018/02/05
نشأة مشبوهة وتاريخ أسود

دبي – بعد أربعة أعوام من سقوط الإمبراطورية العثمانية، نشأت في مصر جماعة سمّت نفسها “الإخوان المسلمين”. التسمية تشير إلى اعتقادهم الأساسي عن أنفسهم كجماعة المسلمين. وتلك نقطة أساسية في تحقيق غرضهم السياسي. إذ كان هدف هذه الجماعة الرئيس هو إعادة الإمبراطورية (الخلافة) بعد سقوطها. وهو هدف صعب التحقيق في دولة كمصر تخلّصت لتوّها من هذا الاحتلال السيء، بل وأظهرت منذ الحملة الفرنسية ميولا استقلالية عن الإمبراطورية من خلال أسرة محمد علي.

الهدف السياسي الصعب روجته هذه الجماعة للجمهور على أنه “فرض ديني”، وهناك عاملان سياسيان آخران استغلتهما الجماعة. الحكم القائم لقرون له منتفعون وموالون. رجال الدين -مثلا- كانت قوتهم السياسية على مدار قرون قائمة على أنهم الأمناء على شرعية الحكم الديني. العوام يستمعون إليهم، والحكام بالتالي لا يستغنون عنهم. بعد سقوط الخلافة وقف الأزهر موقفا حادا ضد كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، الذي يقول “إن الخلافة مجرد شكل زمني من أشكال الحكم، وليست فرضا دينيا”. ونزع عن كاتبه علي عبدالرازق شهادة “العالمية”.

العامل الأخر هو القوى السياسية، إذ أن سقوط الخلافة أوجد فراغا سعى إليه طامحون، ومنهم الشريف حسين في الحجاز الذي أعلن نفسه بالفعل خليفة للمسلمين قبل سقوط الخلافة بسنتين، وإن لم تنجح الدعوة. ومنهم ملك مصر، الملك فؤاد، الذي أراد أن يعقد مؤتمرا إسلاميا يعلن نفسه فيه خليفة للمسلمين، لكن الفكرة ماتت في مهدها أيضا.ربما يبدو هذا غريبا على أسماعنا المعاصرة، لكن في تلك الفترة كانت الإمبراطوريات هي المفهوم السائد، والدولة الوطنية مفهوما حديثا وليدا. في الفترة نفسها كان الصعود النازي في ألمانيا يسعى إلى الغرض نفسه: إعادة إحياء الإمبراطورية.

الدين السياسي، المنتفعون سياسيا، والطامحون، كانوا أداة لجماعة الإخوان لكي تحقق نجاحا وانتشارا. ومع تضاؤل فرص إعادة الخلافة العثمانية تحوّلت الفكرة إلى خلافة عربية. كان عرّابها ضابطا في الجيش التركي اسمه عزيز باشا المصري، أيّد الشريف حسين في دعوة الخلافة العربية ثم اختلف معه. وفي مصر صار مفتشا عاما للجيش. هذا الرجل كان حلقة الوصل بين فئتين تسعيان إلى “إعادة الإمبراطورية”.

التيارات الإسلامية تختلف على أمور كثيرة، لكنها تتفق على الاستهتار بمفهوم الدولة الحديثة أي الدولة الوطنية

الفئة الأولى هي الإخوان “العثمانيون”، والفئة الثانية الضباط الأحرار. وبتعاون هاتين الفئتين تم الانقضاض على محاولة التحديث المصرية. وباختلافهما انفرد جمال عبدالناصر بالحكم، مرجّحا فكرته الخاصة، الخلافة/ الإمبراطورية العربية، تحت مسمى الوحدة.

نستطيع أن نستخلص من كل ما سبق أن هذا التحالف الإمبراطوري الذي التأم في مصر في النصف الأول من القرن العشرين كان مختلفا حول أمور كثيرة، لكنه كان مجمعا على شيء واحد: معاداة فكرة الدولة الوطنية.

كلهم متسامحون مع السلوك السياسي التوسّعي ويعتقدون أنه مناط القوة السياسية. وهو اعتقاد لا بأس به، فقط إذا عدنا بالزمن قرونا، ذلك أنّ فكرة الدولة الوطنية في السياسة لا تنفصل عن باقي أفكار الحداثة المعاصرة في المجالات الأخرى. كلها مرتبطة بشكل المجتمع الحديث وأدواته ومستواه التكنولوجي وطريقة إدارة اقتصاده. إنما الأهم، أنها مرتبطة بنظرة الدولة إلى مواطنيها. الأساس المؤسس في الدولة الوطنية هو “المواطنة” أي أن كل المواطنين، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم، متساوون أمام القانون. وبناء على هذا التساوي فمن حقهم الانتخاب الديمقراطي

معنى هذا أننا حين نبدأ في تبيان أن جماعات كالإخوان العثمانيين تقود –حتما– إلى انفصام المجتمعات، لا نحتاج إلى دليل أكثر من الاسم الذي اختاروه لأنفسهم، والذي يبني الجماعة على دين مواطنين. وهي ليست مجرد تسمية قيمية، كأن تقول: إنها جماعة قائمة على “قيم الإسلام”، لكنها سمحة وجامعة لكل الآخرين. لا.. فخطابهم كله مبنيّ على هذا التحريض الديني، على انفراد المواطن المسلم بحقوق لا يتمتع بها المواطن المسيحي، على حرمان المواطنين ذوي الاختيارات العقائدية الأخرى من التعبير عن أنفسهم. صورة تماثل أسوأ فترات الإمبراطورية العثمانية.

كل من يتحالف مع جماعة الإخوان على هذا الشكل، كما في القرن السابق، تيارات تختلف على أمور كثيرة، لكنها تتفق على الاستهتار بمفهوم الدولة الحديثة أي الدولة الوطنية.

من العجيب أن هذه التيارات ترفع شعار الديمقراطية. ومنطق العجب واضح لمن أراد أن يرى. فجهازه الإعلامي الأساسي صادر عن دولة بعيدة كل البعد عن الشعار الذي ترفعه. والتحالف نفسه لا يجد غضاضة في التعاون مع إيران وميليشياتها ووسائل إعلامها. وهم جميعا من إرث الماضي لا المستقبل.

انطلاقا من هذه النقطة، من رؤية الجماعة كـ“الإخوان العثمانيين”، من رؤية تحالفها القطري- التركي عبر امتداده التاريخي كـ“تحالف عثماني”، نستطيع أن نقرأ اختياراته في سياسة قطر وتقلباتها في السنوات الأخيرة. نستطيع أن نفسّر متى اقتربت من إيران ومتى ابتعدت ثم متى اقتربت مرة أخرى. ونتوقّع منه التغيير القادم في موقفها وبأيّ المستجدات يقترن.

نشر في مركز المسبار للدراسات والبحوث في 30 يناير (كانون الثَّاني) 2018 كتبه خالد البري.

13