الإخوان المسلمون، شعارات تحت الطلب بين أيديولوجيا إيران ومصالح أميركا

الاثنين 2014/03/31
في آخر زيارة له نقل وزير خارجية إيران رسالة إلى مرسي فحواها دعم إيران المطلق للإخوان

لم تتوقف الآلة الدعائية الإيرانية عن الترويج للنموذج الذي أضحت عليه إيران عشية عودة الخميني من باريس إلى طهران لإعلان “إسلامية الثورة” إلى حد هذه اللحظة التاريخية، وذلك لإصرار أعمدة النظام على “تصدير الثورة” التي أرادها القائمون عليها “إسلامية”. وبعد الربيع العربي، وخروج حركات الإسلام السياسي من السجون وعودتهم من أوروبا وأميركا ومسكهم ـ هكذا ـ بالسلطة، أصبحت الارتباطات الخيطية الإيرانية بجماعات الإسلام السياسي (وأساسا الإخوان) أكثر وضوحا ومتانة. لتتقاطع بذلك مصالح إيران والولايات المتحدة الأميركية في إبقاء حركات الإسلام السياسي في سدة الحكم.

رغم الاختلاف المذهبي بين التيارات الإسلامية وبين النظام الإيراني القائم بعد الثورة المصادرة “خمينيا”، لم ترَ كل التيارات الإخوانية، خاصة، ضيرا في مدّ صلات التعاون والتنسيق مع الحكومات المتعاقبة منذ لحظة الثورة. وسجلت الأحداث والوقائع عديد التعبيرات الدالة على الدعم الكبير الذي قدمته السلطة الإيرانية للجماعات الإخوانية (بتفاوت تحدده مقتضيات الأوضاع السياسية)، لعل أبرزها ما حدث في مصر أثناء اعتلاء الإخوان سدة الحكم.

ولم يتمكن رئيس إيراني واحد من زيارة مصر طيلة العقود الثلاثة التي سبقت ثورة الـ25 من يناير. فقط زار أحمدي نجاد كرئيس لإيران مصر أيام حكم الإخوان، ولم تخل الزيارة بدورها من مشادات بين الأزهر ونجاد. ويظهر أن الإستراتيجية الإيرانية قد تغيرت فعلا تجاه محور السياسة العربية (مصر) في إطار تبادل للمصلحة بين أنظمة الإسلام السياسي، التي تعتبر إيران أنموذجا في “التقية والتمكين” وما يسمونه “ثورة إسلامية”، وإيران التي تصعد الصراع إلى أقصاه ليصبح طائفيا ودينيا داخل النسيج العربي، وهو ما أكده شيخ الأزهر يوم زيارة نجاد لمصر، عندما طالبه بـ”وقف المد الشيعي في البلاد العربية”، أي وقف التشيع السياسي والولاء المذهبي لطهران، وهو اختراق لبنية المجتمع المصري يحصل تحت أعين جماعة الإخوان المسلمين وبتسليم منها.

ويجمع مراقبون للشأن السياسي في الشرق الأوسط على أنّ السلوك السياسي الذي انتهجه الإخوان المسلمون بعيد سقوط حسني مبارك، كان مُتماهياٍ إلى مدى بعيد مع نظيره الإيراني بعد إسقاط نظام الشاه. فقد كان الحضور كثيفا لخطاب الإسلام السياسي القائم على توظيف الدين وترويجه (بعد تسخريه للأجندة السياسية) واستعماله كأداة فعالة للوصول إلى السلطة، بما تتطلبه هذه العملية من تكفير للخصوم وإلصاق تهم الزندقة والإلحاد بهم، حتى أصبحت الليبرالية مثلا أو اليسارية إحالة على الكفر والخروج من الملة لدى الجماهير المستهلكة لخطاب الجماعة، ما أدى فعلا إلى خلق تمزّق في النسيج الاجتماعي المصري وتفتيت وحدته الوطنية. وهو ما حدث فعلا في إيران مع بداية الثمانينات، تلك الفترة التي كانت دموية بامتياز، حيث شهدت إعدامات جماعية لأغلب المناضلين اليساريين والليبراليين الذي كانوا حلفاء للخميني في مرحلة الخروج ضدّ الشاه. والأرجح أن ذلك السيناريو بعينه كان ليحدث في مصر، لولا ثورة الـ30 من يونيو.

وفي سياق تماثل السلوك السياسي لجماعة الإخوان على المستوى العربي، وتناغم تنظيمات الجماعة في رؤية موحدة تقريبا للعلاقات مع الخارج، لم تتمايز جماعة الاتجاه الإسلامي في تونس (النهضة لاحقا) عن نظيرتها المصرية، فقد كانت ترى في الثورة الإيرانية نموذجا يقتدى به، في حين لم تبخل إيران بدورها على الجماعة بدعمها السخي. وتواصل دفء العلاقة طيلة أيام حكم بن علي واستمر حتى أيامنا هذه.

التقاطع في السعي إلى تثبيت الإخوان في سدة الحكم بين أميركا وإيران تبرره الحاجة المتبادلة للإسلام السياسي من قبل كلتا الدولتين

في السياق ذاته يذكر أن رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية استقبل أواسط مارس الحالي بمكتبه، مستشار المرشد الأعلى لإيران كمال خرازي مصحوبا بسفير إيران في تونس. وقد تمحور اللقاء حول دعم العلاقات بين البلدين. ولم تمرّ فترة الأسبوع حتى زار المدير العام للراديو والتلفزيون الإيراني سيد أحمد سادات مجموعة من المؤسسات الصحفية التونسية من أجل التعاون في مجال تركيز نواة إعلامية إيرانية مركزها تونس وتغطي المغرب العربي بالكامل.

ويقول مراقبون إن العلاقات “المتينة” التي تربط حركة النهضة التونسية بإيران ليست جديدة، وإنما تعود إلى بداية الثمانينات عندما أصبحت إيران أنموذجا للإسلاميين في الثورة الإسلامية، بما تحويه كلمة “ثورة إسلامية” من أدوات التمكين والتقية والخطاب المزدوج وأيضا العنف والإرهاب والتنظيمات السرية. فقد كانت تصريحات أغلب قيادات الإتجاه الإسلامي في تونس مشيدة بما تسميه “الصحوة الإسلامية” في أقصى الشرق، وبنجاح مجموعة منظمة وعقائديّة (دينيا) في تغيير نمط الحكم خاصة في دولة محورية تتوسط آسيا الوسطى والشرق العربي مثل إيران.

لعل هذين المثالين، المصري والتونسي، قد أشارا إلى باطن العلاقات التي تربط جماعة الإخوان (وبعض الأحزاب القريبة منها أو رديفتها) بإيران، والتي وإن بدت جامعة لمذهبين مختلفين وصلا إلى حد الصراع في مناطق ما في الوطن العربي، إلا أنها تروج لبعضها البعض. إذ يتساءل البعض عن مدى دور الأحزاب الدينية الشيعية في الترويج لجماعة الإخوان المسلمين، رغم الاختلاف الحاصل على مستوى المذهب والشكل التنظيمي والمرجعية الأيديولوجية وحتى بعض الأسس النظرية في الرؤية للإسلام. ولكن الأحداث المتتالية وتناولها الإعلامي قد يوضح الرابط.

وللتعمق في المسألة أكثر فقد تزايد النفوذ الإيراني في منطقة الشرق العربي في السنوات الأخيرة خاصة مع حربي 2006 التي خاضها حزب الله ضدّ إسرائيل في جنوب لبنان، وحرب أواخر 2008 التي اندلعت بين حركة حماس والكيان الإسرائيلي. وفي كلتا المناسبتين ارتبط مفهوم “المقاومة” والمواجهة مع إسرائيل بالأحزاب التي تنتمي إلى فضاء الإسلام السياسي بشكل عام، إن كانت شيعية أو سنية. ذلك ما مهد فعلا إلى سطوع نجم تلك الأحزاب والمرجعيات الإسلامية (على اختلافها)، وقد ساهم الترويج الإعلامي لها الّذي يقدّمهاعلى أنّها “الحركات الوحيدة التي تواجه العدو”، في استقطاب الوجدان الشعبي العام من شباب ومواطنين، حتى إذا ما انطلقت الحملات الدعائية الانتخابية في دول “الربيع” كانت استمالة تلك الجماهير أسهل وأكثر سرعة.

السلوك السياسي الذي انتهجه الإخوان المسلمون بعيد سقوط حسني مبارك كان متماهيا إلى مدى بعيد مع نظيره الإيراني بعد إسقاط نظام الشاه

وبالتالي، فمن الطبيعي اليوم أن نرى التحول السريع لمسار الثورة السورية على نظام بشار الأسد من منطلق ثوري يسعى إلى الديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية، إلى مجرد معارك طائفية دافعها الأول هو المرجعية الدينية والفهم الطائفي والفئوي للدين. ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية مهولة دمرت سوريا وأنهكتها.

لم تتوان وزارة الخارجية الإيرانية في انتقاد مسك الجيش المصري بزمام الأمور في البلاد إثر ثورة الـ30 من يونيو. وقد اعتبره القائم بالأعمال الإيرانية في مصر “انقلابا وتعديا على الديمقراطية”، ما جعل الخارجية المصرية تعمد إلى دعوته لمطالبته بالكف عن التدخل في شؤون مصر الداخلية. هذا الموقف الإيراني هو الخطاب الذي يتطابق بشكل تام مع الخطاب الأميركي تجاه الثورة المصرية الثانية. فقد صرحت سفيرة الولايات المتحدة الأميركية في مصر، “إن باترسون”، بأن العملية السياسية في مصر هي الحل الوحيد للخروج من الأزمة، وأن تدخل الجيش في أمور السياسة أمر غير محمود، وهو ما أكده طبعا جون كيري في الأيام الأخيرة عندما انتقد محاكمة رموز الإخوان، وطالب أوباما في السياق ذاته بالإفراج عن مرسي ومن معه من قيادات.

هذا التقاطع في السعي إلى تثبيت الإخوان في سدة الحكم بين الولايات المتحدة وإيران تبرره الحاجة المتبادلة للإسلام السياسي من قبل كلتا الدولتين، أميركا وإيران.

إن اشتراك إيران وأميركا في أسلمة الثورات العربية ليس سوى تصعيدا للقوى التي تريدها إيران موالية لها من الناحية الأيديولوجية، وضمّها تحت جناح الدعوة الإسلامية العالمية التي تريد إيران تصدُّرها. وهو ما يخدم المصلحة الأميركية في الحين ذاته، في الإبقاء على أمن إسرائيل و”يهوديتها” (نظرا لإسلامية الدول المحيطة). وليس للإخوان بين هذا وذلك سوى أن يطوّعوا أيديولوجيتهم التي يعتقدون فيها خدمة لمصالح هته القوى الدولية، فالإخوان منذ التأسيس “هم عرّابو الاستعمار والماضوية والفشل”، حسب قول الأستاذ رفعت السعيد.

13