الإخوان المسلمون جماعة من ورق تفتقد الفكر والمشروع والسياسة

الاثنين 2014/03/03
عرت ثورة يونيو الفشل السياسي لحركة الإخوان وبالتالي قصورها الفكري والتنظيمي

تُثبت الهجمات الإرهابية الأخيرة التي تحدث في مصر هنا وهناك، بعد نهاية حكم الإسلاميين، أن أزمة الجماعة الإسلامية ليست منحصرة فقط في إبعادهم عن السلطة وإيقاف مشروع التجارة بالدين كحركة ابتزاز للسيطرة على الحكم، بل إن جذور أزمة هؤلاء أعمق من مجرد “صراعهم” مع السلطة، فهي أزمة فكرية وتنظيمية وسياسية. وذلك حسب قراءة الباحث المصري أحمد زغلول في دراسته التي تحمل عنوان “الإسلاميون في مصر، أزمات الفكر والتنظيم والسياسة”.

تتجلّى أزمة الإسلاميين الفكرية في المحطات التشريعية التي عاشتها مصر بعد 25 يناير، فقد ظهرت إشكالية رؤيتهم للدولة ولهويتها في الجدل الذي صاحب إعداد دستور 2013. وهو ما دفع فعلا إلى النظر في رؤية الإسلاميين لمسألة الوطن والأمة.

فقد تراوحت مواقف الإسلاميين ما بين فكرة “الأمة” كأساس لتحقيق الدولة الإسلامية، وبين مشروع “الدولة الوطنية” الغائب فعليا عن أدبياتهم. ويتواصل هذا الجدل كلّما أجبرت الجماعة على اتخاذ موقف سياسي آني من جملة القضايا المطروحة.

فتاريخيا، أنشأ حسن البنا قسم “الاتصال مع العالم الخارجي”، وبعد عقود قليلة أُنشِئَ التنظيم الدولي للإخوان المسلمين إِعلاءً لفكرة الأممية الحاضرة في وعي الجماعة. إذ تتأكد هذه الفكرة الإخوانية حتى مع التيار السلفي المصري ـ ومنه الدعوة السلفية السكندرية ـ بحسب قول مُنظّرهِ ياسر برهامي أنه “لا يخفى على أحد أن هذه النظرة القومية أو الوطنية الضيقة تعارض ما جاء في الإسلام الذي يبني نظامه على المساواة بين كل الأجناس العالمية في دائرته”.

وكأن البرهامي يقول أن جوهر المشروع الإسلامي في نظرهم هو مشروع عالمي بالأساس وأن الحكم بين الأجناس هو المساواة. وبالتالي نجد أنّ المنطلق الفكري للإسلاميين يولي اهتماما بفكرة الخلافة أكثر من اهتمامه بفكرة الدولة الوطنية.

ويتبدى ذلك في سعيهم نحو بناء تصورات وآليات ووسائل نظرية بعيدة المدى أكثر من اهتمامهم بالتهيئة لإدارة الدولة. كما تجلّى ذلك بوضوح في الفشل الذي تحقق في إدارة محمد مرسي (الإخواني) لشؤون الدولة المصرية، فقد انشغلوا طيلة حياتهم ومنذ العشرينات بخطط الهروب من البوليس وفقه الأمة بدلا من الانشغال العملي بإيجاد حلول للإشكالات الهائلة التي يعيشها الشعب، ولذلك فقدت الجماعة القدرة على وضع أطروحات بديلة للتعامل بفعالية مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية في ظل غياب تصور عن كيفية التعامل مع السلطة في حال الوصول إليها.

المنطلق الفكري للإسلاميين يولي اهتماما بفكرة الخلافة أكثر من اهتمامه بفكرة الدولة الوطنية ومطالب الشعب

الأزمة التنظيمية:

اختارت جماعات الإسلام السياسي في مصر تطبيق النموذج “الأردني” في إدارة علاقتها بالحزب، والذي يتلخص في أن يكون الحزب هو الذراع السياسي للجماعة، ولا يشترط فيه انفصال القيادات. وبذلك كان من الطبيعي أن نجد أن غالبيّة تحركات وقرارات هذه الجماعة ناتجة عن قرارات الحركة وليس الحزب. فالحركة (الجماعة) هي التي تطرح المبادرات وتسوقها وترد على الانتقادات المثارة وتكون بمثابة الحكم إذا ما حدثت خروقات أو اجتهادات شخصية من قبل أعضاء الحزب.

وبالنظر إلى جماعة الإخوان المسلمين نجد أنه على الرغم من أنّها فصلت هياكلها العليا للحزب إداريا، إلا أن واقع الأمر يقول إن الانفصال لم يحدث في المستويات الوسطى والدنيا بين الحزب والجماعة. وظلت الازدواجية في القيادة موجودة، حيث يكون مسؤول الجماعة هو مسؤول الحزب.

ولا يوجد أي فرق فعلي بين ممارسات الحزب والجماعة. والأمر نفسه ينسحب على المجموعات الإسلامية الأخرى الناشطة في مصر، فمثلا توجد قيادات في الدعوة السلفية تجمع بين صفة المسؤولية في الدعوة والمسؤولية في الحزب. وقد نتجت عن هذه الإشكالية أزمات متتالية في حزب النور، تسببت بدورها في خروج عدد من قيادات الحزب رفقة بعض الأعضاء وتأسيسهم لحزب الوطن.

لكن الجدير بالذكر أن هذه الإشكالية لم تظهر تأثيراتها في جماعة الإخوان المسلمين، نظرا لطبيعة التنظيم الذي يحكم الجماعة، والمرتكز إلى قواعد معقدة في تصعيد العضو إلى مرتبة “عامل” داخل الجماعة.

أي أن ارتقاء العضو في الحزب يكون بمقدار ارتقائه في الجماعة، إذ تشترط لائحة الحزب تسجيل العضوية أولا كعضو منتسب في مدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، يتم خلالها تقديم الدورات التدريبية والتثقيف السياسي، ثم يتم تقييم العضو بعد ستة أشهر، فإما أن يصعد إلى مرتبة عضو عامل أو يعاد إلى درجته الأولى. وتؤكد هذه المظاهر التنظيمية شدة تعلق هذه الأحزاب بتركيبتها المغلقة التي تدور حول إيديولوجية مغلقة بدورها، وأنه لا مجال لأي متنفس سياسي يتحرك فيه العضو خارج دائرة قرارات المرشد، وهذا ما يظهر فعلا في السلوك السياسي العام للجماعة الإسلامية التي تتميز بعدم قدرتها على المناورة، نظرا لتركيبتها التنظيمية “شبه العسكرية”.

الأزمة السياسية:

تخلص دراسة الباحث المصري أحمد زغلول إلى أربعة مظاهر أساسية للأزمة السياسية التي تعيشها الحركة الإسلامية في مصر. فالنظام باعتماده على الشرعية الانتخابية في تفرده بإدارة شؤون البلاد، اعتمد على أبناء الإخوان بشكل رئيسي، بررته الجماعة بأنه من حق الرئيس أن يختار من سيعمل معه وقللت مما قيل عن أخونة السلطة، وقالت أنه محض افتراء لا يستند إلى الواقع.

ثم استخدمت أطيافا من الإسلاميين دون غيرهم من باقي القوى، رغم أن محمد مرسي أشار في بدايات حكمه إلى ضرورة التعاون مع جميع التكتلات الثورية في بناء تحالف يمكن من الاستقرار.

انشغلوا طوال حياتهم بخطط الهروب من البوليس، لا بخطط النهوض بالشعب وحل مشاكله

وثانيا، شابت تعاملات الإخوان عند وصولهم إلى السلطة حالة من الاستعلاء على غيرهم من الكيانات الأخرى (خاصّة الإسلاميين الآخرين، على اعتبار أن الإخوان ينتمون إلى الجماعة الأم). إذ تتحرك الجماعة وفق ما تراه متماشيا مع تنفيذها لأجندتها الخاصة، فلم يلاحظ على الإخوان أي تقارب مع أي حزب إسلامي (النور مثلا) أو إشراكه في العملية السياسية.

فرغم اقتراب بعض الإسلاميين من دوائر السلطة العليا، مثل السلفي عماد عبدالغفور، إلا أنه تم تجاهله وتناسي ترشيحه لمسك وزارة من قبل أطراف عديدة. كما تمّ تجاهل السلفية الجهادية وعدم الاستعانة بها في ما يتعلّق بملف سيناء الّذي يعج بالألغام الإرهابية.

ومن ناحية ثالثة، فإن الطابع الإصلاحي للجماعة وفقدانها “للعقيدة الثورة”، أجبر الإخوان على التعامل مع الواقع كما هو، لذا لم يكن باستطاعتهم اتخاذ قرارات جذريّة. فنتيجة لوجود الإخوان خارج مؤسسات الدولة، كانت الجماعة فقيرة من الكوادر القادرة على إدارة دواليب وأجهزة الحكم، مما جعل جماعة الإخوان المسلمين رهينة للدولة العميقة بما تضمّه من عناصر النظام السابق ولوبيات الفساد(…).

أما الناحية الرابعة في رؤية أحمد زغلول لأزمة الإخوان السياسيّة، فتكمن في الآداء السياسي لقوى الإسلام السياسي عموما. فهو آداء يشير إلى عدم وجود مشروع خاص بهم، فقد بقوا في حركة دوران حول مشروع الإخوان كعامل مساعد يتم استخدامه لتمرير بعض القضايا مقابل مكافآت بين الحين والآخر. ولحداثة السلفيين ـ بمختلف تنويعاتهم ـ وعدم إلمامهم بشروط الممارسة السياسية نجدهم يشتركون مع الإخوان في غياب طرح سياسي لازم لإدارة الدولة.

فظلت الحركة الإسلامية عموما حبيسة مشروع الهوية الإسلامية. بل أصبحت الجماعات تتصارع في ما بينها عبر رؤى فقهية وتأويلات ضيقة نتجت عن فراغ فادح في البرامج والآليات البديلة.

13