الإخوان المسلمون وعناوين الانفصام، جماعة أم حزب

الأربعاء 2014/02/12
امتعاض فئات واسعة من الشعوب المنتفضة من إزدواجية خطاب الإسلاميين

القاهرة – انقسم “الإخوان المسلمون” بعد مقتل البنا إلى تيارين، أحدهما يشكل خط البنا ذاته، أي التيار الوسطي المعتدل، والآخر هو التيار المتشدد المعروف بالتيار القطبي، نسبة إلى سيد قطب، بل إن البعض يحسب أن إزدواجية الخطاب التي تميز الجماعة تعود إلى “إزدواجية بنيوية” حقيقة داخل التيار.

ارتبط التيار القطبي بعد إعدام سيد قطب، بالمرشد مصطفى مشهور، وصولاً إلى المرشد محمد مهدي عاكف، والمرشد محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، ومحمود عزت، بحسب شهادات قيادات وكوادر في جماعة “الإخوان المسلمين” انشقوا عن الجماعة، أمثال أبو العلا ماضي، وثروت الخرباوي، وكمال الهلباوي، ومختار نوح.

أما أبرز ممثلي التيار المعتدل أو الوسطي فهما المرشدان حسن الهضيبي وعمر التلمساني. كما نشأ التيار الجذري المتشدد الذي يسعى للوصول إلى الحكم باستعادة المجتمع الجاهلي إلى حظيرة الإسلام ولو بالقوة. أحياناً، نرى الفارق غير واضح بين التيار المركزي والتيار المتشدد، خاصة بعد استيلاء القطبيّين على مكتب الإرشاد بعد المرشد عمر التلمساني.

لكن البعض يرى أن افتراض وجود تيار إصلاحي قوي داخل جماعة الإخوان أمر مجانب لحقيقة الجماعة. فبعد وفاة أحد أكبر أعضاء مكتب الإرشاد، وهو محمد هلال عن عمر ناهز الـ90 عاماً، كان يُفترض، كما هو متبّع عرفاً، أن تتمّ تزكية عصام العريان كي يحل محله، باعتباره الأحق وفقاً لنظام اللائحة الداخلية للجماعة. بيد أن التيار المحافظ رفض ذلك متعللاً بعدم قانونية هذا الإجراء، وبعدم الحاجة له حينها، لأنه ثمة انتخابات جديدة لمكتب الإرشاد بعد ثلاثة أشهر.

فلئن نجحت الجماعة في إبداء صرامة في التعاطي مع مخالفيها داخلياً، إلاّ أنها لم تفلح في الاستفادة من التنوع الفكري للمخالفين لها. حتى وصل الخلاف إلى قمة الهرم القيادي في الجماعة، حيث دافع المرشد مهدي عاكف عن ضرورة منح العريان فرصة للترقي إلى عضوية مكتب الإرشاد مخالفاً هوى الجناح المحافظ. وحاول عاكف طيلة فترة ولايته الممتدة منذ يناير 2004، أن يقوم بضبط إيقاع العلاقة بين التيارات والتوجهات المختلفة داخل الجماعة، بيد أن ذلك كان يأتي دائماً على حساب الجناح الإصلاحي، بسبب الخشية من استغلال النظام للمشكلات الداخلية في الجماعة سياسياً وأمنياً.

في النهاية أسفر موقف متطرفي الإخوان التصادمي عن اتخاذ جمال عبد الناصر لإجراءات صارمة طالت العديد من قادة التنظيم، سواءً بالحبس أو النفي. وفي التسعينات من القرن العشرين، عارض قادة “الإخوان” المتشددون، الذين كان العديد منهم من أقطاب “التنظيم السري”، مطالب شباب “الجماعة” باتخاذ إجراءات لا تتشبث بالأيديولوجية الإسلامية، وبإجراء انتخابات داخلية أكثر شفافية. وعندما قام “شباب الإخوان” رداً على ذلك بإنشاء حزب سياسي خاص بهم أطلقوا عليه اسم “الوسط”، قامت “الجماعة” بفصلهم. وعندما رفض “إصلاحيو الإخوان” مسودة برنامج عام 2007، الذي نص على منع المرأة والأقباط من الترشح للانتخابات، إلى جانب نصوص أخرى مثيرة للجدل، قام المتشددون في الجماعة بفصل أحد كبار إصلاحيي المنظمة من “مكتب الإرشاد” وتركيز قيادتها وفقا للرؤية “القطبية”.

ويبقى التمييز بين “الإصلاحيين” و”المحافظين” ضبابياً بالنسبة للمراقبين، إذ يرى البعض أن مفهومي “الإصلاحي” و”المحافظ” لا يختلفان في الأساس إلا في الأساليب والتكتيكات. فبينما يسعى “الإصلاحيون” إلى المشاركة السياسية المباشرة ويرغبون في الانخراط مع غير الإسلاميين لتوسيع قاعدتهم، فإن “المحافظين” يخشون من أنّ هذا النهج سيقلل من المصداقية الإسلامية للجماعة ومن ثمة سيقوّض تكاملها التنظيمي. مع ذلك يشترك كلا الاتجاهين في الرؤية الأيديولوجية نفسها، فهما يسعيان إلى “أسلمة” المجتمع كخطوة أولى نحو تأسيس الدولة الإسلامية. فحتى “الإصلاحيين” الشبان الذين فصلتهم “الجماعة” عام 1996 لتشكيلهم حزب “الوسط” هم الآن أقرب شركاء “الإخوان” في البرلمان. ولم يختلف الفريقان إلا في توقيت تكوين الحزب وليس في الأهداف التي ينبغي أن يتبناها.

وفي سياق تتبع الأثر الفكري للإخوان داخل ممراتهم التنظيمية المعقدة، يلاحظ الباحث البريطاني “أليسون بارغتر” أنه على الرغم من استمرار الجماعة لنحو 85 عاماً، فإن الأيديولوجية التي تتبناها لا تزال غامضة بشكل ملحوظ، إذ لم يحظ الإخوان بمفكرين سوى واحد فقط وهو المُنظِّر الأول والراديكالي سيد قطب، بينما لم يترك المرشدون بمن فيهم حسن البنّا إلا قدراً ضئيلاً من الأعمال الأدبية. ويعتبر أن ذلك كان في الغالب قراراً تكتيكياً، حيث أن “غياب التفاصيل ما هو إلا وسيلة متعمدة لحماية الإخوان من التحزب”. كما أن المحتوى الفكري للجماعة هو عبارة عن سلسلة من الأفعال التلقائية المحرضة للجماهير، ولا ترقى إلى كونها إطاراً فكرياً يتناول هدفها المعلن المتمثل في “تطبيق الشريعة”. ولا تزال النزعات “المحافظة” داخل “الإخوان المسلمين” دون أي تغيير يذكر. فبدلاً من أن تتبنى منهجية مد جسور التواصل مع الآخر التي يتبناها “التيار الإصلاحي”، استمرت في إعطاء الأولوية للجانب التنظيمي المتمثل في توطيد السلطة. ولطالما تسببت هذه النزعة “المحافظة” في حدوث انشقاقات داخل الجماعة.

وفي الأثناء يشير الباحث الأميركي بروس ك. روثرفورد في كتابه “مصر بعد مبارك: الليبرالية والإسلام والديمقراطية في العالم العربي”، إلى وجود تطوّرات ليبرالية داخل جماعة “الإخوان المسلمين” نتيجة صعود قيادات شابة تؤمن بالمسؤولية والشفافية وحكم القانون، مشيراً إلى التأثير الشديد لأربعة مفكرين إسلاميين في أفكار الجماعة وهم: يوسف القرضاوي، وطارق البشري، وأحمد كمال أبو المجد، ومحمد سليم العوا، الذين يعتبرهم روثرفورد “معتدلين في تفسيرهم للشريعة، على عكس حركة طالبان في أفغانستان والسلفيين المتشددين”.

لكن بعض المحللين الآخرين لهم قول آخر في مسألة مدى ديمقراطية الجماعة وتأثرها بالتوجهات الدولية، فخلال العقد الذي أعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، بحثت الأجهزة الغربية عن بديل “إسلامي معتدل” لـتنظيم “القاعدة” كي تضمن مصالحها بشكل مطمئن، فقادهم البحث إلى جماعة “الإخوان المسلمين” التي كانت تصرّح برفض الإرهاب واعتناق السياسات الانتخابية، ما أغرى الغرب فعلا، لكن التراجع الواضح والحاد للغرب تجاه هذه الفكرة، زاد من عزلة الإخوان وأربك تنظيماتهم في عمق، خاصة بعد التجربة الفاشلة التي كشفت ضعف الجماعة في قيادة الدولة والمجتمع والتي انتهت بسقوط مدوّ عبر ثورة شعبية.

13