الإخوان المسلمون و"فدائيان إسلام".. مشترك أصولي يتجاوز الحاجز الطائفي

الاثنين 2017/05/22
أواصر خفية لا تنقطع

يرجع الكثيرون علاقة الإخوان المسلمين بإيران إلى خمسينات القرن الماضي، وتحديدا من خلال زيارة مؤسس “فدائيان إسلام” نواب صفوي لمصر في 1954 ولقائه بزعماء الإخوان المسلمين، ومن ثم دعوته للإيرانيين بالانخراط في تنظيم الإخوان المسلمين. إذ ينسب لصفوي نفسه أنه قال في حفل خطابي بدمشق (1954)، “مَن أراد أن يكون جعفرياً حقيقياً فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين”.

وقتها كان مشروع إعادة الدولة الإسلامية وإحيائها في بداية تأسيسه، بل إن المشروع الإسلامي كان لا يزال في أحضان الدعاة وليدا، تعوزه الأدبيات وتقف عنده الرجال والمؤسسات الداعمة لنهوضه.

وإذا ما كانت هناك عوامل دعت لعقد ذاك اللقاء والتصريح بعبارات فوق المجاملة، فإنها ستكون متصلة بعامل الاستثارة الفكرية لمشروع الدولة الإسلامية، وتحقيقها من خلال التنظيمات السرية التي سيكون بمقدورها إسقاط الأنظمة، أو فرض المشروع الإسلامي عليها لتقبله ولو كانت كارهة له.

كان نواب صفوي يعتقد بمحو كل أثر ملكي، والإطاحة بالحكومة الملكية لإقامة حكومة إسلامية مكانها، فكان أوّل من كتب برنامجاً مفصلا عن الحكومة الإسلامية.

كانت فكرة “فدائيان إسلام” تتفق مع فكرة التنظيم السري للإخوان المسلمين، حيث وجود تنظيم سري شبيه بالتنظيمات العسكرية، توكل إليه مهمات الاغتيال وبعض المهمات الخطيرة.

ففي عام 1953 كان أمر تنظيم نواب صفوي قد استقر، وانتشرت دعوته وعمّت شهرته، وبدأ يدعو لمبادئه الإسلامية، وينشط في مختلف ميادين العمل، ويتصل بالدعوات خارج إيران ويعقد معها الصلات. وفي سنة 1954 زار صفوي البلاد العربية لحضور مؤتمر القدس في مدينة القدس، وزار سوريا كما زار مصر بدعوة من الإخوان المسلمين، وكانت الأمور قد تأزمت بين الإخوان وحكومة ثورة يوليو 1952، وأوشك الانفجار بينهما أن يقع.

أدركت كل من الحركة الإسلامية الشيعية في إيران، وجماعة الإخوان المسلمين، حاجتهما لبعضهما البعض، كحلفاء لتحقيق أهداف تكتيكية.

وكان كلا الفصيلين مناهضين للأوضاع الراهنة، يسعيان إلى تحطيم توازن القوى الذي تم تأسيسه في الشرق الأوسط في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وكان كلاهما يرغب في انتزاع السلطة من النخب الحاكمة التي تعتمد على المؤسسة العسكرية.

أثمرت هذه العلاقة نمطا خفيا من الارتباط، تمثل في إقدام رموز الحركة الإسلامية الشيعية في إيران على ترجمة ونشر أدبيات الإخوان المسلمين بالفارسية، حيث ترجم علي خامنئي كتابين لسيد قطب، ففي 1966 ترجم كتاب “الإسلام ومشكلات الحضارة” وكتاب “المستقبل لهذا الدين” للغة الفارسية.

لم يقتصر التبادل المعرفي بين الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية الشيعية في إيران على هذا الحد، بل إن التشكيلات الحزبية العربية الشيعية التي نشأت بعد تلك العلاقة، تأثرت بشكل أشد، حتى قيل إن تنظيم حزب الدعوة الإسلامية في العراق الذي تشكل عام 1959، هو النسخة الشيعية من تنظيم الإخوان المسلمين من حيث الشكل التنظيمي ومن حيث الأهداف والمرحلية في العمل الحركي.

قبل أن تنتهي هذه المرحلة بين 1979 و1981 حدثت تغييرات بنيوية على التيارات الإسلامية في إيران ومصر. فقد صدرت قرارات أفرغت الأزهر من استقلاليته المالية والسياسية والاجتماعية، فتحوّل بفعل سياسات ضمان الولاء إلى مؤسسة مقيدة برؤى النظام الحاكم، الذي ركز نفسه كضامن وحيد لوحدة المسلمين وراعٍ لمصالحها.

ومن جهة أخرى، تعرضت حركة الإخوان المسلمين لأشد محنها السياسية عام 1965، بإغلاق كل مراكزها واعتبارها جماعة مارقة، بعد الحكم بالإعدام على الكثير من قياداتها كسيد قطب وعبدالقادر عودة وغيرهما.

كما شهدت الفترة (1954-1970) بروز مدرسة جديدة داخل حركة الإخوان المسلمين، هي مدرسة سيد قطب وما تفرّع عنها من رؤى مخالفة لمدرسة حسن البنا. ورغم حالة الانفراج التي دشنها أنور السادات، لكن هذا الانفراج كان انفراجا أمنيا فقط.

لم تقف التحوّلات البنيوية عند الإخوان المسلمين فقط، فالحركة الإسلامية الشيعية في إيران بدأت في إجراء تغييرات على رؤيتها في وقت مبكر، وربما قبل تحوّلات الإخوان.

تأثر أقطاب الحركة الإسلامية الإيرانية بموروث الإخوان المسلمين الأول، واعتبروا تراث سيد قطب وحسن البنا وأبي الأعلى المودودي بمثابة مساحة إسلامية عامة تحتاج لبعض التشطيب المذهبي الخاص، بحكم اختلاف الرؤية المذهبية الشيعية عن نظيرتها السنية.

ومن خلال الترجمات المتعددة لذاك الموروث، أصبح بالإمكان البناء عليه لصالح ما سيطرحه الإمام الخميني من محاضرات حول الحكومة الإسلامية مطلع سبعينات القرن الماضي في النجف. كما عملت الحركة الإسلامية الشيعية في إيران على تطوير التجربة التنظيمية لـ”فدائيان إسلام” وتحويلها من تنظيم عسكري سري إلى حزب سياسي سري تحت اسم الحزب الجمهوري الإسلامي من قبل نخبة من رجال الدين مثل خامنئي ومحمد بهشتي وهاشمي رفسنجاني، في مارس من عام 1978.

انشغال كلا الحركتين بمواجهات أمنية مستمرة مع أنظمة الحكم في إيران ومصر، ساعد في غياب الأطر المدعمة للعلاقة التي تأسست في 1954، لكنها بالتأكيد لم تقو على قطعها. حيث كانت الاستفادة من المخزون العام لها (إعادة المجتمع والدولة الإسلامية) مستمرة وبشكل دائم. ونتيجة لهجرة الإخوان خارج مصر، وهجرة الإيرانيين خارج إيران، كان المهجر الأوروبي هو المساحة التي تلتقي فيها كوادر كلا الحركتين على مستوى الأفراد المنتمين للتيارات الإيرانية والإخوانية.

خلاصة بحث عباس المرشد “التيارات العابرة للوطنية.. الإخوان المسلمون وإيران”، ضمن الكتاب 124 (مايو 2017) “إيران والإخوان الشيعة القطبيون”، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13