الإخوان المسلمون يحرقون المراكب!

الثلاثاء 2013/08/20

رغم ضبابية المشهد في مصر، نستطيع القول أن البلاد تسير في الطريق الصحيح. قد يكون ذلك مناقضا للكثير من المشاهد التي سيطرت عليها أعمال العنف والفوضى، وتلطخت بالدماء، سواء كانت دماء الجيش والشرطة المصريين، أو أعضاء ومناصري جماعة الإخوان المسلمين.

الدافع الرئيسي وراء هذا التفاؤل يكمن في تصرفات الإخوان أنفسهم، الذين اختاروا اللجوء إلى العنف والوصول في سبيله إلى أبعد نقطة ممكنة، بدلا من إنقاذ الجماعة من مصير حقبة الستينيات (وما أدراك ما الستينيات)، كما اعتاد مرسي أن يردد دائما.

أدركت الجماعة أن الغرب لا يتدخل في المنطقة إلا للحفاظ على مصالحه، ومن ثم ظنت أنها هي الكيان الوحيد الذي يمثل هذه المصالح، وأن الولايات المتحدة على وجه الخصوص لن تتوانى في تقديم دعم غير محدود لها. لكن على ما يبدو أن قيادات الجماعة لم تتفهم، في الوقت نفسه، أن استقرار مصر (ومن ثم استقرار المنطقة بأثرها) يعلو على مكاسب وقتية من الممكن أن تحصدها أي إدارة أميركية جراء عودة الإخوان للسلطة من جديد، وأن واشنطن تدرك ذلك جيداً. عندما طالت مدة اعتصام الإخوان، دون أن يحوَّل الغرب وهم التدخل في مصر، الذي كان يسيطر على مخيلة الإخوان، إلى واقع، بدأ شعور بتخلي الجميع عنهم يتسلل إلى نفوس القيادات، ومن ثم لم يكن هناك بديل أمامهم سوى التسوية السياسية، أو اللجوء إلى العنف.

قد يكون من المعروف لدى الجميع أن الجماعة أرادت أن تلجأ الحكومة المصرية إلى تنفيذ تهديداتها باللجوء إلى القوة في فض اعتصاماتها، لأنها تجيد لعب دور الضحية، وتريد الوصول في تحديها للنظام إلى المشهد الذي يظهرها على أنها الضحية. لكن ذلك لم يكن هو السبب الوحيد الذي تمنت الجماعة الدخول من أجله في صدام عنيف مع السلطة الحالية في مصر.

يتلخص السبب الآخر في المنهج الذي يقوم على الشحن الديني والمعنوي والذي اتسم بالراديكالية المفرطة في اقناع أنصارها بأن الرئيس المعزول محمد مرسي سيعود مجددا إلى السلطة. حتى وصل الأمر إلى التشكيك في العقيدة الدينية لمن يتسائل أو يجادل في ذلك!

كان كثير من البسطاء، داخل مقرات الاعتصام، على اقتناع بأن ما تقوله لهم تلك القيادات هو الحق والصواب، وأن اعتصامهم هذا ما هو إلا شكل من أشكال الجهاد في سبيل الله، وأنه سيتكلل في نهاية المطاف بعودة مرسي مجدداً.

مع طول مدة الاعتصام التي وصلت إلى ستة أسابيع، أدركت الجماعة أن الغرب لن يحقق وعوده بمساندتهم، وبالتدخل السريع في مصر للإبقاء عليهم في السلطة، كما أدركت أيضا أن الشحن الذي كانت تمارسه طوال تلك الفترة قد أصبح عبئاً عليها، وأن اعتصام رابعة العدوية، بما كان يضمه من أعداد كبيرة، تحول إلى قنبلة موقوتة، من المنتظر أن تنفجر بوجوههم في أي وقت، إذا ما طالت مدته أكثر من ذلك، دون تحقيق ما وعدت الجماعة أعضاءها به. لذلك كان فض هذه الاعتصامات بالقوة المخرج الوحيد الذي بدا لقيادات الإخوان أنها يمكن أن تلجأ إليه. لكي تتمكن من الخروج من هذا المأزق الذي وضعوا أنفسهم والجماعة فيه أولا، وليصلوا إلى حالة الصدام، التي اتضح بعد ذلك أنهم كانوا يخططون لها على مدار شهر ونصف.

على الجانب الآخر، كان كل ما استطاع الغرب تقديمه للإخوان هو الشجب والتنديد والاستنكار. موقف القوى الغربية، في هذا التوقيت، أوضح من أي وقت مضى. تريد هذه القوى وعلى رأسها الولايات المتحدة الإبقاء على الجماعة، كأحد المكونات الأساسية على طاولة اللعبة السياسية المصرية والعربية، ولا تريد أن ترى سيناريو الستينيات وعبد الناصر يتكرر مجدداً. في الوقت نفسه، تدرك هذه القوى أنه ليس في استطاعتها إخراج مصر من دائرة حلفائها، ولا يمكنها تحمل ما قد يتبع ذلك من انعكاسات كبيرة على مصالحها في المنطقة، وفي مقدمتها أمن إسرائيل. لكن على ما يبدو أن الحكومة المصرية المؤقتة مصرّة بدورها على التصعيد، وعلى الذهاب مع الإخوان المسلمين إلى آخر الطريق، حتى ولو كانت النتيجة حلّ الجماعة، وهو القرار الذي سيصدر، في أغلب الظن، خلال أيام قليلة، إذا ما استمر الإخوان في عنادهم وفي رفضهم للجلوس على طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة.

مع كل كنيسة وقسم للشرطة ومؤسسة حكومية تشتعل فيها النيران يحترق مركب من مراكب الإخوان، التي لم يتبق منها الكثير. فالسؤال هو إذن؛ هل ستستمر الجماعة في حرق مراكبها، وفي الانتحار السياسي الذي تسير صوبه الآن بخطى حثيثة، أم أن هناك مخرجا يحفظ لها وجودها، وينقذ بقايا رصيدها في صفوف الجماهير المتعاطفة مع الإسلام السياسي ومشروعه، الذي أوشك بالفعل على النفاذ؟

9