الإخوان المسلمون يسعون إلى عرقلة مسار انتقال مصر نحو الديمقراطية

الجمعة 2014/03/07
بعد فشل الإخوان في اختبار الحكم شرعوا في تنفيذ مخططهم القاضي بحرمان مصر من أمنها واستقرارها

القاهرة - لا يستطيع أحد من متابعي الشأن السياسي المصري اليوم، أن ينكر غرابة سلوك جماعة الإخوان المسلمين تجاه الأزمة السياسية العميقة التي تمر بها مصر. فبعد استقالة حكومة الببلاوي التي عجزت ـ كما أكد جل السياسيين ـ عن إيجاد مخارج للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، هاهي جماعة الإخوان تتجه فعلا نحو رفض مبادرات التصالح والعودة إلى النشاط بالتزام العمل المدني السلمي، في الوقت الذي تواصل فيه الجماعة ـ بجرأة مستهجنة ـ حشد أنصارها للخروج مجددا إلى الشارع والاحتجاج أيضا على إبراهيم محلب وطاقمه الوزاري.

يؤكد مراقبون أنه ليس للإخوان، في هذه المرحلة على الأقل، نيّة للكف عن محاولاتهم افتعال حروب نفسية ضدّ السلطة، وهو فعلا ما بدأ في الحدوث مع الحكومة الجديدة التي تلت حكومة الببلاوي، خاصة وأن الشارع السياسي بشكل عام يرى أن أداء هذه الأخيرة لا يحقق المؤمل. إذ لم تتوقف الآلة الدعائية الإخوانية سواءً في المواقع الإلكترونية أو في الشارع عن الدعوة إلى ما أسماه الإخوان “العصيان المدني وعدم التعامل مع مؤسسات الدولة”، وذلك لإرباك النظام وإثارة البلبلة في الشارع، وإيهام الناس بديمومة الاحتجاجات على سقوط مرسي وإشاعة انطباع يفضي إلى أنّ ما حصل في مصر يوم 30 يونيو ليس ثورة شعبيّة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية جمال عبدالجواد “إن جماعة الإخوان تعتبر الحكومة الجديدة خصما جديدا”، لافتاً إلى أنه “سيكون من الصعب للغاية أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء من جانب المؤسسة العسكرية، سواء في ما يتعلق بخارطة الطريق أو رفع الملاحقة الأمنية عن عناصر الجماعة”.

تعنّت الإخوان

وبحسب ما أورد مبعوثون من قطر والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بعد عزل مرسي، فإن جميع المبادرات الداخلية والخارجية لإجراء أي نوع من المفاوضات كانت صعبة، نظراً لتصلب جماعة الإخوان وتشبّثها بموقفها وامتناعها عن تقديم تنازلات سياسية، فـ”الحل المدعوم من الجيش أصبح أمراً واقعياًّ، خاصةً وأن الجيش يمتلك الكلمة العليا في حال أراد تصالح الدولة مع الإخوان”.

تزعمُ جماعة الإخوان من خلال سلوكها الدكتاتوري أنها الخير المطلق في مواجهة الشر المطلق على حساب مصلحة مصر

كما أن وجود الجيش على طاولة التفاوض يضمن نجاح أية مبادرة، باعتباره السلطة التي لها قوة التّنفيذ الحقيقي والميداني لأي اتفاق، وعندها سترحب الأحزاب السياسية بالتصالح مع الإخوان، لأنها ببساطة ليست من اللاعبين الرئيسيين في حل الأزمة المصرية الراهنة، بل إن القوى السياسية تدعم ملاحقة جماعة الإخوان أمنياً لتفكيك قوتها وشعبيتها في الشارع.

إما أنا أو لا أحد

وفي الوقت الذي تنادي فيه مبادرات عديدة بالمصالحة الوطنية والاتفاق حول كيفية عودة الإخوان إلى النشاط السياسي كباقي الأحزاب في ظل دولة ديمقراطية، يسعى الإخوان في كل مرة إلى تجديد إعلان الحرب على الدولة وتذكية الصراع الدائر بينهم وبين نظام مصر الجديد بعد 25 يناير، وكأن الجماعة ـ من خلال هذا السلوك ـ تضع نفسها في خندق مناقض للدولة والمجتمع والأحزاب والمؤسسات على حدّ سواء، في قراءة للمشهد، تزعم فيها الجماعة أنّها الخير المطلق في مواجهة الشرّ المطلق.

والتسويق لهذا المشهد هو هدف الإخوان في هذه الفترة، عبر كل الأدوات المتاحة اعتقادا منها بأن التصعيد بهذا الشكل سوف يخلع عنها صفة الإرهاب ويبعدها عن شبهات التحريض على القتل والدمار.

و من وجهة نظر حازم حسني أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، فإنه “على جميع الأطراف المتدخلة في صناعة القرار المصري أو المكونة للمشهد السياسي أن تسعى جادة إلى إقامة الحوار الوطني التصالحي، شرط أن لا يكون فيه أيّ تدخّل أجنبي، حتى يتحمل كلّ طرف مسؤوليته لاحقا”.

ويوضّح حازم حسني أنّه إذا تمّ التوجّه نحو هذه الصيغة، يمكن عندها وضع الإخوان أمام مسارين اثنَيْن لا ثالث لهما أمام الشعب المصري والعالم: إمّا أن يكون الإخوان جزءًا من المشهد السياسي المصري وفق الدستور الذي صوّت له الشّعب، أو أن تختار طريق الإرهاب والقتل والإجرام وهو ما يسمح للجيش فعلا بإبادتهم.

و بالتدقيق في سلوك الجماعة منذ الإطاحة بمرسي بعد ثورة يونيو، فإنّ المتابع يرى أن هذا الجمود والأحادية في التعامل مع الدولة والأطراف السياسية، يدفع فعلا إلى “انتحار” جماعة الإخوان موتها أوتوماتيكيا وبشكل ذاتي. فرفض المبادرات السياسية والتمسك بشعار “الشرعية” (الزائفة) يدفع الجميع إلى اختيار مشهد سياسي آخر بمعزل عن الإخوان، خاصّة وأن مصر اليوم، وأمام الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية الشائكة، لم تعد تتحمل المزيد من الانتظار لتنتقل نهائيا نحو الاستقرار والالتفات لتحقيق أهداف ثورة يناير.

يحاول المصريون تحديد هوية للدولة والنظام المصري، فيما يسعى الإخوان إلى عرقلة كل مسار انتقاليّ نحو الديمقراطية

وفي هذا الإطار يقول حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة وصاحب إحدى مبادرات التصالح مع الإخوان (والتي رُفضت بدورها) إنّ “البلاد في مأزق سياسي يشتد في كلّ مرّة بين الإخوان والمؤسسة العسكرية، بينما يحاول المصريّون تحديد ما إذا كانوا يريدون دولة تتميز بالالتزام بالدستور والقانون، أو حكما عسكريا”. وهو ما يؤكد فعلا وجود أزمة تتعلّق بتحديد شكل وهويّة النظام قد حلّت بين المصريين. وهذا يعود أساسا إلى خطورة الفكرة المزروعة لدى الإخوان “إما أنا أو لا أحد”.

أوهام التمكين

وفي الوقت نفسه، كثر الحديث بين الأروقة السياسية هذه الأيام عن مفاوضات وراء الأبواب المغلقة لدراسة كافة الاحتمالات المطروحة، في ظل استعداد الجميع لخوض غمار الانتخابات الرئاسية القادمة. وهي تسريبات لم ينفها أو يؤكدها أي طرف رسميّ أو سياسيّ، لكنها إلى حد الآن تعتبر مفاوضات متسمة بالعقم نظرا لإجرائها مع الطرف الذي أصبح “معرقلا” للتقدم، وهو الإخوان.

ويعيد محللون هذه العرقلة، إلى اعتقاد خاطئ لدى جماعة الإخوان يفيد بأنهم فعلا من دفع حكومة الببلاوي إلى الاستقالة على وقع احتجاجاتهم التي قاموا بها في الشارع، وهو ما يرتبط باعتقاد خاطئ آخر هو أن الإسلاميين قادرين على الفوز في أي معركة انتخابية يمكن الدخول فيها مستقبلا. لكن هذا الظن كان يمكن أن يكون قائما قبل انتهاج الجماعة لنهج الإرهاب والقتل والتزامها بالعمل السياسي السلمي بين المواطنين.

ورغم ذلك، فإن الجماعة لا تزال في حالة تصعيد أعمى ضد الحكومة لإفشال المسارات الانتخابية والسياسية المنتظرة في مصر. إذ يقول حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية “إن الجماعة تسير وفق أجندة الإفشال لكل ما ينتظر مصر من استقرار وانتقال سليم نحو الديمقراطية”.

ومن جانبه يرى د.جمال سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، أن عوامل تقييم شعبية الرؤساء والحكومات أو الأحزاب السياسية، تكون دائماً غير واضحة وغير شفافة، نظراً لغياب حرية التعبير في ظل الحكومات الاستبدادية في الشرق الأوسط، ولذلك فإن ما يتردد بشأن دعم والتفاف المصريين حول النظام المؤقت أو تزايد شعبية الإخوان، هي مجرد إرهاصات شعبية وإعلامية تفتقر إلى الحيادية والواقع.

وتابع: “مصر تواجه تحديات عميقة منذ ثلاث سنوات، وجميع الحكومات المتعاقبة فشلت في إقناع الشارع بمبادئ الثورة أو تطبيق العدالة الانتقالية، حيث تركزت المحادثات منذ ثورة 2011 بشأن كيفية بناء الديمقراطية، ولكن فجأة مع كثرة التحوّلات السياسية تحوّلت المناقشات إلى ما يشبه القتامة السياسية، حيث باتت أكبر دولة عربية وكأنها تسير نحو مستنقع الحرب الأهلية، وكل ذلك بسبب جماعة الإخوان المسلمين”.

13