الإخوان بين "إصلاحيين" و"محافظين".. ضبابية الفوارق وعسر التمييز

الأربعاء 2013/12/18
مهدي عاكف صاحب مقولة "طز في مصر" أحد رموز التيار القطبي المهيمن على الجماعة منذ 1966

انقسم «الإخوان المسلمون» بعد مقتل حسن البنا إلى تيارين، أحدهما يشكل خط البنا ذاته، أي التيار الوسطي المعتدل، والتيار المتشدد المعروف بالتيار القطبي، نسبة إلى سيد قطب، وهو ينظر نظرة تكفيرية إلى الدولة والمجتمع باعتبارهما جاهلية. تكونت جماعة «القطبيين» في السجن بعد انتهاء محاكمات قضية الإخوان المسلمين في عام 1965 وإعدام سيد قطب عام 1966، والتي تعرف بتنظيم سيد قطب، وكانت مجموعة صغيرة من قادة وكوادر «الإخوان»، وكان على رأسهم محمد قطب شقيق سيد قطب، وضمت عبد المجيد الشاذلي ومصطفى الخضيري ومحمد مأمون، وقد اختلفوا مع قيادة الإخوان بشأن قضايا عدة أهمها استراتيجية العمل الإسلامي.

ارتبط التيار القطبي بعد إعدام سيد قطب، بالمرشد مصطفى مشهور، وصولاً إلى المرشد محمد مهدي عاكف، والمرشد محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، ومحمود عزت، بحسب شهادات قيادات وكوادر في جماعة «الإخوان المسلمين» انشقوا عن الجماعة، أمثال أبو العلا ماضي، وثروت الخرباوي، وكمال الهلباوي، ومختار نوح. أما أبرز ممثلي التيار المعتدل أو الوسطي فكانا المرشدان حسن الهضيبي وعمر التلمساني. كما نشأ التيار الجذري المتشدد الذي يسعى للوصول إلى الحكم باستعادة المجتمع الجاهلي إلى حظيرة الإسلام ولو بالقوة. أحياناً، نرى الفارق غير واضح بين التيار المركزي والتيار المتشدد خاصة بعد استيلاء القطبيين على مكتب الإرشاد بعد المرشد عمر التلمساني.

نشأ التيار الإصلاحي، الداعي إلى التزام العمل السياسي السلمي والدعوي والتربوي، نتيجة انشقاق الكثيرين من قيادات وكوادر الإخوان، وخروجهم من فكر التيار المركزي البراغماتي، ورفضهم لتشدد التيار المحافظ. والأمر الذي سبّب انشقاق الجماعة إلى تيارات هو أنها لم تستطع التوفيق بين المفهوم الدعوي والمفهوم الحزبي، وكذلك الإحباطات والانكسارات التي صاحبت حركة الاخوان من خلافهم مع الملك فاروق إلى خلافهم مع عبد الناصر، وما تعرضوا إليه من اغتيالات وحملات قمع واعتقالات لفترات طويلة في السجون، ما أوْجَد رؤيتين داخل الجماعة، واحدة كانت تود الالتزام بالعمل الدعوي وتجنب الصدام مع السلطة، وأخرى كانت تريد التحول إلى حزب واستمرار التنظيم السري ومواجهة السلطة عبر عمليات اغتيال أو غيرها.

صعوبة وجود إصلاحية إخوانية

يرى البعض أن من الصعوبة بمكان افتراض وجود تيار إصلاحي قوي داخل جماعة الإخوان. فبعد وفاة أحد أكبر أعضاء مكتب الإرشاد، وهو محمد هلال عن 90 عاماً، كان يُفترض، كما هو متبّع عرفاً، أن يتم تصعيد عصام العريان كي يحل محله، باعتباره الأحق وفقاً لنظام اللائحة الداخلية للجماعة. بيد أن التيار المحافظ رفض ذلك متعللاً بعدم قانونية هذا الإجراء، وبعدم الحاجة إليه حينها لأن ثمة انتخابات جديدة لمكتب الإرشاد بعد ثلاثة أشهر.

وقد ظهر عدم قدرة الجماعة على ضبط خلافاتها الداخلية، من خلال عدم قدرتها على الاستفادة من التنوع الفكري للمخالفين لها.

وقد وصل الخلاف إلى قمة الهرم القيادي في الجماعة، حيث دافع المرشد مهدي عاكف على ضرورة منح العريان فرصة للرقي إلى عضوية مكتب الإرشاد مخالفاً هوى الجناح المحافظ.

وحاول عاكف طيلة فترة ولايته الممتدة منذ يناير 2004، أن يـقـوم بضبط إيقـاع العلاقـة بين التيـارات والتـوجهـات الـمختلفـة داخـل الجماعة، بيد أن ذلك كان يأتي دائماً على حساب جناح الإصلاحيين، سـواءً بـسبب ضعـف وزنهم ونفوذهم التنظيمي مقارنة بالمحافظين، أو بسبب الخشية من استغلال النظام للمشكلات الداخلية في الجماعة سياسيا وأمنيا. في النهاية أسفر موقف متطرفي الإخوان المواجه لنظام عبد الناصر عن اتخاذ الأخير إجراءات صارمة طالت العديد من قادة التنظيم، سواءً بالحبس أو النفي.

وفي التسعينات عارض قادة «الإخوان» المتشددون، الذين كان العديد منهم من أقطاب «التنظيم السري»، مطالبات شباب «الجماعة» باتخاذ إجراءات لا تتشبث بالأيديولوجية الإسلامية، وبإجراء انتخابات داخلية أكثر شفافية. وعندما قام شباب «الإخوان» ردا على ذلك بإنشاء حزب سياسي خاص بهم أطلقوا عليه اسم «الوسط»، قامت «الجماعة» بفصلهم.

وعندما رفض إصلاحيو «الإخوان» مسودّة برنامج عام 2007، الذي نص على منع المرأة والأقباط من الترشح للانتخابات، إلى جانب نصوص أخرى مثيرة للجدل، قام متشددو الجماعة بفصل أحد كبار إصلاحيي المنظمة من «مكتب الإرشاد» وتركيز قيادتها على «التيار القطبي».

لكن هذا لا يعني أنه كانت للمحافظين المتشددين دائماً اليد العليا في الجماعة. فخلال الثمانينات من القرن الماضي، وافق «المرشد العام» عمر التلمساني على طلب الإصلاحيين المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وخرجت الجماعة عن المألوف وذلك من خلال تحالفها وتنسيقها مع أحزاب غير إسلامية خلال المعترك الانتخابي عامي 1984 و1987.

إلا أن هذه الفترة تصادفت مع الإجراءات القمعية التي تبناها نظام مبارك والتي أرسلت العديد من صقور «الإخوان» إلى المنفى. وعندما عادت هذه الرموز في أوائل التسعينات عادت «الجماعة» بسرعة إلى سابق عهدها.


اختلاف التكتيك وتشابه الأيديولوجيا

ويبدو التمييز بين «الإصلاحيين» و«المحافظين» ضبابياً، ويرى البعض أن مفهومي «الإصلاحيين» و«المحافظين» لا يختلفان في الأساس إلا في الأساليب والتكتيكات. فبينما يسعى «الإصلاحيون» إلى المشاركة السياسية المباشرة ويرغبون في الانخراط مع غير الإسلاميين لتوسيع قاعدتهم، فإن «المحافظين» يخشون من أن هذا النهج سيقلل من المصداقية الإسلامية للجماعة ومن ثم سيقوّض تكاملها التنظيمي. مع ذلك يشترك كلا الاتجاهين في الرؤية الأيديولوجية نفسها، فهم يسعون إلى أسلمة المجتمع كخطوة أولى نحو تأسيس الدولة الإسلامية، وفي النهاية تكوين «دولة إسلامية عالمية»، وفقاً لما ذكره نائب المرشد العام خيرت الشاطر. فـ«الإصلاحيون» الشبان الذين فصلتهم «الجماعة» عام 1996 لتشكيلهم حزب «الوسط» هم الآن أقرب شركاء «الإخوان» في البرلمان. ولم يختلف الفريقان إلا في توقيت تكوين الحزب وليس في الأهداف التي ينبغي أن يتبناها.

تيار بأدبيات غائمة

ورغم استمرار الجماعة لنحو 85 عاماً، فإن الأيديولوجيا التي تتبناها لا تزال غامضة بشكل ملحوظ، فلم يخرج من الإخوان سوى «مفكر حقيقي» واحد هو المُنظِّر الراديكالي سيد قطب، بينما لم يترك المرشدون بمن فيهم حسن البنا إلا قدراً ضئيلاً من الأعمال الأدبية. وتعتبر أن ذلك كان في الغالب قراراً تكتيكياً، حيث أن «غياب التفاصيل ما هو إلا وسيلة متعمدة لحماية الإخوان من التحزب».

كما أن المحتوى الفكري للجماعة هو عبارة عن سلسلة من الأفعال التلقائية المحرضة للجماهير، ولا ترقى إلى كونها إطاراً فكرياً يتناول هدفها المعلن المتمثل في «تطبيق الشريعة». ولا تزال النزعات «المحافظة» داخل الإخوان المسلمين دون أي تغيير يذكر. فبدلاً من أن تتبنى منهجية مد جسور التواصل مع الآخر التي يتبناها «التيار الإصلاحي»، استمرت في إعطاء الأولوية للجانب التنظيمي المتمثل في توطيد السلطة.

ولطالما تسببت هذه النزعة «المحافظة» في حدوث انشقاقات داخل الجماعة.

يقول الباحث الأميركي بروس ك. روثرفورد في كتابه «مصر بعد مبارك: الليبرالية والإسلام والديمقراطية في العالم العربي» الصادر عام 2008، إن هناك تطوّرات ليبرالية داخل جماعة «الإخوان المسلمين» نتيجة صعود قيادات شابة تؤمن بالمسؤولية والشفافية وحكم القانون، مستندا إلى مواقفها من حقوق المرأة، وتراجعها عن العنف ودورها السياسي في الانتخابات، وتحالفها مع عدد من قوى المعارضة في الانتخابات، مشيراً إلى التأثير الشديد لأربعة مفكرين إسلاميين في أفكار الجماعة هم: يوسف القرضاوي، وطارق البشري، وأحمد كمال أبو المجد، ومحمد سليم العوا، وأن هؤلاء الأربعة معتدلون في تفسيرهم للشريعة، عكس حركة «طالبان» في أفغانستان والسلفيين المتشددين.

خلاصة بحث هيثم مزاحم «إيران والإخوان المسلمون بين ولاية الفقيه وولاية المرشد»، ضمن الكتاب 80 (أغسطس 2013) «الإخوان وإيران توظيف الدين لمعركة السياسة» الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث - دبي.

13