الإخوان بين التوطين في أوروبا والتمكين في العالم العربي

الأحد 2017/12/17
تكريس للانغلاق

البندقية (إيطاليا) – يقول عامل السياسة الفرنسي أوليفيي روا “دفعت العولمة بجميع مكونات الظاهرة الدينية إلى أقصى مدى، حيث لم يعد زوال الصفة الإقليمية يرتبط بانتقال الأشخاص فقط، بقدر ما بات يرتبط بانتقال الأفكار والمواد الثقافية”.

ويمكن أن نجد النموذج الصارخ الذي يوضح بدقة ما ذهب إليه روا هو “المسلمون في أوروبا” بالنظر إلى فاعلية تيارات ومشاريع حركية إسلامية دعوية في صياغة جزء مهم من مخيالهم العام واستقطاب جزء من الشباب وشحنه بأيديولوجيا الكراهية والعنف وحشره في زاوية الأقليات حيث يتعمق الإحساس بأن “المسلم” لا يمكن أن يكون مواطنا أوروبيا.

وتضع هذه الصورة، وفق ما جاء في ورقة المؤتمر الدولي حول الإسلام والإسلام السياسي في أوروبا: مسارات التحول والتكيف، الإسلاميين في قلب العلاقة بين أوروبا والعالم العربي والإسلامي في ما يتعلق بقدراتهم على التأثير على المجتمعات العربية والأنظمة السياسية فيها من جهة، وفي ما يرتبط سعيهم إلى احتكار تمثيل الإسلام وتأثيرهم المباشر على المسلمين في أوروبا وإشكالية الاندماج الاجتماعي التي يعتبرها الباحثون المختصون أحد أسباب التطرف الديني من جهة أخرى.

وحذّر عدد من الباحثين والخبراء المشاركين في المؤتمر، الذي نظمه معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا ومؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث وجامعة بادوفا ومؤسسة تشيني وجامعة بيومنتي أورينتالي والمركز الجامعي للثقافة والقانون والأديان بمدينة البندقية، من أن أزمة المسلمين في أوروبا ستشهد تطورات خطيرة على المجتمع الأوروبي من حيث رواج الأفكار “الأقلوية” في وقت يرتفع فيه عدد المسلمين.

المسلمين في أوروبا يواجهون تحديات عدة في الزمن الراهن الذي تشابكت فيه أوراق الديني والسياسي بشكل غير مسبوق، فبات الإسلام ورقة سياسية توظفها أطراف تزعم تمثيله وتمثيل المسلمين

وأجمعت مختلف المداخلات والأوراق البحثية، على أن أوروبا في حاجة إلى تعاقد اجتماعي جديد، والمسلمون يحتاجون إلى فكر يتجاوز دوائر الانتماء التقليدية، بحيث لا يجد المسلم تناقضا بين إسلامه ومواطنته الأوروبية.

تواجه المسلمين في أوروبا تحديات عدة في الزمن الراهن الذي تشابكت فيه أوراق الديني والسياسي بشكل غير مسبوق، فبات الإسلام ورقة سياسية توظفها أطراف تزعم تمثيله وتمثيل المسلمين غير القادرين على الاندماج في المجتمع الأوروبي “الغريب”. ويذهب محمد بنصالح مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بإسبانيا، إلى أن “تيارات الإسلام السياسي تمثل كارثة في أوروبا، لكونها تصور نفسها على أساس أنها المدافع عن هوية الأمة الإسلامية ضد العولمة”، فيما قال باولو برانكا، المتخصص في الشؤون الإسلامية بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو الإيطالية، “إن هناك دور تجديدي كبير ينتظر الشباب المسلم المعاصر في أوروبا، يهم التدين والثقافة الإسلامية”.

مرحلة الصدمة

تعتبر اعتداءات نيويورك وواشنطن، في 11 سبتمبر 2001، وهي الصدمة/ المرحلة التي أوجزها آنذاك الباحث الباكستاني شيما خان، عندما حذّر من مغبة “اختطاف الإسلام”، إذ تم الانتقال من مرحلة نقد الحركات الإسلامية (الدعوية والسياسية) بتهمة تكريس خيار “اختطاف الإسلام” نحو طفرة ركوب الحركات “الجهادية” موجة الاختطاف بترسانة أيديولوجية عنيفة أغرقت بقاعا غير قليلة من عالميْ الإسلام والغرب في يمّ التطرف والتطرف العنيف، في سياق انتشار ظاهرة ما اصطلح عليه رضوان السيد بـ”الصراع على الإسلام”.

وحسب ورقة المؤتمر، تصاعدت ظاهرة اختطاف الإسلام والسعي إلى الاستفراد بتمثيله بشدة بعد أحداث الربيع العربي التي اقتربت المشاريع الحركية الإسلامية من تحقيق حلمها في الوصول إلى السلطة وإقامة “دولة الشريعة”، وتزامنه مع تطور ملحوظ في فاعلية المنافسين الجدد من داعش والقاعدة، وغيرهما من التيارات المسماة جهادية، للمنافسة على الهدف والمرجعية، مع اختلاف الآليات والسياقات، ودون إغفال تعدّد المسارات والتحّولات.

وإذا كان للإسلام السياسي نصيب من التحوّلات، على الأقل على مستوى ظاهر الخطاب، من خلال تفاعلات نسيجه من الجمعيات والمؤسسات والمراكز والأفراد مع الواقع الأوروبي، ومن خلال اشتغاله في واقع تنافسي على “تمثيل الإسلام” وصناعة مفاصل هوية المجموعات المسلمة في أوروبا وأهدافها، فإن بعض الشعارات والمآلات والارتباطات التنظيمية والأيديولوجية بـ”الجماعة الأم” تدفع إلى التساؤل عن مدى مسؤولية هذه التيارات في فشل سياسات الاندماج وفي عدم ترسيخ قيم التنوع والتعدّد.

ولا شك في مسؤولية سياسات الدول الأوروبية في فشل سياسات الاندماج، على اختلاف درجاته باختلاف هذه الدول، لكن هناك أسباب أخرى تستلزم المقاربة الموضوعية وضعها على بساط البحث والنقاش، وفي مقدمتها مسؤولية الإسلام السياسي، بقدراته التنظيمية والتأطيرية، في التأثير على نمط عيش المسلمين في المجتمعات الأوروبية وعلى نمط تمثّل “الآخر” الأوروبي.

وبقدر ما يشير المراقبون إلى قضايا الهجرة واللجوء والقوانين المتعلقة بها ومسؤولية سياسات الدول الغربية في فشل الاندماج الاجتماعي، فإن هذه المشاريع الحركية الإسلامية لا يظهر دورها بوضوح في هذه الأزمة.

ومن ثمّة، تنبغي مناقشة دور الحديث عن “فقه الأقليات المسلمة في الغرب” أو اعتبار البلدان الأوروبية “ديار عهد” مع اعتبار المسلمين عابري سبيل فيها، كما يشيع في خطاب الإسلاميين، في فشل الاندماج الاجتماعي وفي وإحداث اضطراب هوياتي لدى الأجيال الناشئة.

وتطرق أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأميركية في بيروت، رضوان السيد إلى هذه النقطة قائلا في مداخلته إلى أن “مجلس الإفتاء في أوروبا، وأقصد جماعة (يوسف) القرضاوي اخترعوا فقه الأقليات، أي أن أعيش معهم عيش الضرورة، وبالتالي عدم الاندماج”.

وأضاف السيد أن “الإخوان قاموا بتوظيف المجلس لصالح جماعتهم في حين أنه كان من المفترض أن يلعب دورا يسهم في تسهيل الحياة المجتمعية، أي إصدار الفتاوى، باعتبار المسلمين كانوا أقلية، والنتيجة، أنهم صعبوا على المسلمين الاندماج، وليس العكس”.

بدوره، أرجع ماسيمو كامبانيني، أستاذ باحث في الإسلام والإسلام السياسي بجامعة ترنت تغو الإيطالية، مكمن الأزمة إلى استغلال جماعات الإسلام السياسي لأوضاع المسلمين في أوروبا خاصة في ما يتعلق بتحقيق مقتضيات المواطنة ما يجعلها تغرس في أذهانهم الأفكار المتطرفة عبر إقامة مجتمعات لغوية داخل الغرب، تفرز عدة تحديات اليوم وفي المستقبل.

وأجمع الخبراء والباحثون على أن جماعة الإخوان وغيرها من جماعات الإسلام السياسي تعتبر الحاضنة الأولى للفكر المتطرف. وأشار محمد المعزوز، أستاذ باحث في الأنثروبولوجيا السياسية بجامعة محمد الخامس بالمغرب، في مداخلته إلى أن حاجة المجتمعات العربية والأوروبية على حد السواء إلى موجة فكرية جديدة لمقاربة موضوع الإسلام السياسي، بما يوازي سرعة التحولات في عالم اليوم.

وشدد محمد الحداد، الباحث في قضايا الإصلاح الديني بجامعة تونس، على ضرورة التعامل مع الظاهرة بوصفها تحديا أكبر مما نعانيه اليوم في موضوع التطرف، كونها المهد الرئيسي للإرهابيين. وفي ذات السياق تحدث محمد العاني، مدير مؤسسة مؤمنون بلا حدود في ندوة البندقية، مشيرا إلى أن التطرف الديني يمثل أبرز التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي، وأن المجتمعات المسلمة اكتوت بنار التطرف مثلما أصاب المجتمعات الأوروبية.

مرحلة التوطين

إن وجود الإسلاميين في أوروبا وحراكهم المنظم منذ عقود طويلة أدى إلى سيطرتهم على جزء مهم من المجال الإسلامي فيها. إذ يمثل الإسلاميون في أوروبا أكثر من مجرد أقلية، فهم مرتبطون بجماعات أمّ ويمتلكون عمقا مؤسساتيا وتمويليا في أوروبا وخارجها، أما أهدافهم السياسية فلا ترتبط بالضرورة بالبلد الذي يعيشون فيه، وإنما ترتبط بشكل مباشر بالبلدان العربية.

وأكد ماهر فرغلي، الباحث في الحركات الإسلامية بالقاهرة، أن عملية اختراق الدول الأوروبية امتدت على فترة طويلة جدا، عبر حواضن وتنشئة اجتماعية ودوائر تواصل اجتماعي، ما أدى إلى اختراق المسلمين في أوروبا، وولادة داعش في أوروبا.

وأبدت الحركات الإسلامية، ولا سيما الإخوان المسلمون، في أوروبا قدرة هائلة على التكيف مع مستجدات الأوضاع في السياق الأوروبي واستثماره لصالحها، كما أفادت هذه الفروع الخارجية في أوروبا الحركات الأم بتكتيكات واستراتيجيات فاعلة في الدول العربية ومنسجمة ظاهريا مع السياق الغربي، فانتقلت من معاداة الديمقراطية إلى المطالبة بها، كما أثثت خطابها بمطالب الحقوق والحريات السياسية، مما أضاف لوجودها واستراتيجياتها في تحقيق أهدافها مشروعية على المستوى الدولي.

واعتبر الباحث الجزائري جيلالي مستاري أن التكيف مع المتغيرات سياسة إخوانية بامتياز، مستشهدا في هذا السياق بمثال إخوان الجزائر الذين كانوا في الثمانينات من القرن الماضي متطرفين يوجهون نحو الجهاد في أفغانستان، ثم تحالفوا في التسعينات من نفس القرن مع النظام السياسي وشاركوا في الانتخابات، ثم انقلبوا عليه، وفي 2009 تحولوا إلى حزب سياسي معارض بعد ذلك انشق الإخوان وانقسموا إلى أربعة أطراف منهم الموالي للسلطة ومنهم المعارض ومنهم من بقي على ولائه للتنظيم الدولي ومنهم من تحول إلى تنظيم محلي.

وتحدث محمد لويزي، الباحث والمختص في الحركات الإسلامية بفرنسا، “عن مشروع الأخونة من التوطين إلى التمكين”، موضحا أن نظرية التمكين عرفت عصرنة وتحيينا، وأدخلت إلى مختبر البحث الجامعي، لجعلها أكثر قدرة على الفاعلية، ومن ذلك أطروحة دكتوراه قدمها الإخواني الليبي علي الصلابي بعنوان “نظرية فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم”، وأثنى عليها يوسف القرضاوي.

وأضاف أن قضية التمكين التي كُشف عنها في حقبة الرئيس حسني مبارك، وعرفت تورط خيرت الشاطر وأنكرها الإخوان حينها، عادت إلى الظهور في مرحلة الترشح للانتخابات الرئاسية بعد أحداث 2011، وتأكدت مضامين الخطة عندما كان خيرت الشاطر هو المرشح الأول للرئاسة باسم الإخوان قبل تدخل القضاء.

وفي مقابل التمكين الإخواني في المنطقة العربية هناك اشتغال إخواني، طور الإخوان استراتيجية التوطين في أوروبا باعتبارها “ليست وطنا إسلاميا”. وتحدث محمد لويزي، إلى جانب خبراء آخرين، عن أدوات التوطين ومجالات الاستقطاب والتأثير، من الجمعيات الخيرية إلى المدارس والمساجد وصولا إلى المؤسسات الرسمية مثل الجيش والأمن مرورا بالنظام الاجتماعي الأعمق وهو نظام المصاهرة.

في مقابل التمكين الإخواني في المنطقة العربية هناك اشتغال إخواني، طور الإخوان استراتيجية التوطين في أوروبا باعتبارها (ليست وطنا إسلاميا)

حقيقة الانفصال

كشف محمد لويزي أن التنظيمات الإخوانية بدأت تعتمد أشكالا تنظيمية وحركية جديدة أخرى، فعوضا عن الاستراتيجية الهرمية العنكبوتية الموروثة عن حسن البنا، يتم الآن اعتماد أسلوب ما يُسمى في التخطيط الاستراتيجي بـ”نجمة البحر خماسية الأذرع”.

وعلى غرار بعض الحركات الإسلامية في العالم العربي، فقد عرفت الساحة الأوروبية انفصال اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، علما بأن هذا الاتحاد يضم المئات من الجمعيات المنتشرة في معظم الدول الأوروبية، ويعتبر الذراع الأوروبية للجماعة.

وبينما تتأسف الجماعة لهذا الانفصال وتروج لفكرة إضعاف هذا الانفصال لتماسك الجماعة، يشكّك الخبراء في هذا الانفصال ويعتبرونه مجرد تكتيك تعمدته الجماعة لتخفيف الضغط عليها وتجنب الدخول في معارك خاسرة بعد تصاعد حدة المطالبات بالكشف عن أنشطتها وامتداداتها وتمويلاتها وأدوارها في تخريب المجتمعات العربية تنفيذا لأجندات سياسية لقطر وتركيا وهي أجندات مستمدة من عمق التفكير الإخواني.

6