الإخوان في مصر راهنوا على الجميع فخسروا الجميع

جماعة الإخوان في مصر تتخبط في أكثر من اتجاه، تراهن على كل الفئات، وتجرّب جميع الطرق في سبيل السلطة، ممّا يقيم الدليل على أنّ هذه الجماعة فقدت البوصلة، وافتقدت إلى المصداقية، وهو ما زاد من عزلتها وفقدانها للثقة من طرف أولئك الذين حاولت ركوب مطالبهم في الإصلاح والتنمية.
الأربعاء 2016/11/16
الإخوان في متاهتهم، ليس لديهم من يصدقهم

الحال الآن، أن جماعة الإخوان، دارت على مختلف كيانات المجتمع، بعد 30 يونيو 2013، وفعلت كل ما يمكن في سبيل إنتاج ما أسمته بـ“ثورة ثالثة”، وفي كل مرة كانت تتزايد نقائصها، حتى صارت متخمة بالعاهات، بدءا من تشدد الجهاديين ومرورا بعنف المسلحين وشباب الروابط الرياضية.

كل هؤلاء أعلنوا فشل رهاناتهم على الجماعة، التي تحاول تعويض عدم إقدامها على مراجعات نقدية وإصلاح داخلي، بالهروب إلى تنويع طبيعة الحضور على الساحة، بين ديني ومسلح وثوري واجتماعي وسياسي.

هذا التلون والقفز فوق العديد من الهويات، خلق شتاتا للجماعة، فما هو لون الثورة التي تتبناها؟ هل هي إسلامية راديكالية، عندما حشدت مختلف ألوان الطيف الإسلامي والجهادي لـ”كربلائية” سنية في الميادين أم شبابية اجتماعية تصدت لزعامة الحراك الشبابي بتنوع مطالبه؟ وهل هي مسلحة أم سلمية؟

فاقم من أزمة الهوية، مجيئها في سياق اختلاط مفاهيم كثيرة؛ فلم تعد هناك مسافات تفصل بين المقدس والمدنس، والمقاومة ومشروع السلطة، والجهاد والحرب بالوكالة، والوطن والجماعة، ووضع مصطلح “الثورة” داخل تلك الفوضى من المصطلحات والمفاهيم، ليفقد هو الآخر بريقه وتأثيره.

في السابق ثار الجدل حول طبيعة دور الإسلام السياسي في مصر، وهل فصائله وكياناته منظمات دعوية اجتماعية، أم سياسية ومشاريع سلطة؟ وإذا كانت سياسية فلماذا لا تحل تنظيماتها السرية وتتحول إلى الحالة الحزبية الخالصة؟

جماعة الإخوان تحرص على ألا تفقد في جميع المراحل دورا من تلك الأدوار؛ فهي تنافس التنظيمات المسلحة بإنشاء تنظيم سري مسلح

ثم إنه عندما صعدت تلك الكيانات إلى صدارة المشهد السياسي، تصاعد دور الدين في المجال السياسي، بما صاحبه من خلط للمفاهيم، وتعقيد للعلاقة بين الدين والتدين، وطبيعة الواقع السياسي المتغير والنسبي، ووضعية الرؤى الدينية المطلقة، بما حول الإسلام إلى عامل انقسام داخل المجتمع، وتبدلت أولوياته نتيجة الأزمات الاقتصادية، والأحوال المعيشية المتعسرة.

في هذا السياق، تحرص جماعة الإخوان على ألا تفقد في جميع المراحل دورا من تلك الأدوار؛ فهي تنافس التنظيمات المسلحة بإنشاء تنظيم سري مسلح، وتظل على تواصل مع الكيانات الشبابية الثورية، وتحرص في الوقت ذاته، على خطب ود شخصيات ليبرالية، مثل محمد البرادعي (مساعد رئيس الجمهورية السابق) وغيره.

كما تحرص الجماعة على عدم حدوث فراغ في مشهد المعارضة الإسلامية، فيشغله فصيل آخر، ما يعكس جوهر أزمة الجماعة، التي تتحرك في اتجاهات متعددة بهويات متنوعة، لتتضاءل فرص منحها الثقة من فئات مجتمعية كثيرة.

محاولات الجماعة لتخليق ثورة جديدة، تنطلق من ادعاءات التعرض للظلم، سواء مظلومية التيار الإسلامي الراديكالي، أو مظلومية الشباب المهمش سياسيا واجتماعيا، أو أخيرا مظلومية الفقراء، تعترضها معوقات؛ فهناك قناعة بأن تصدر الإسلام السياسي لمشهد الاحتجاجات، حرفها عن مسارها وأهدافها التي لم يكن من بينها الاستحواذ على السلطة، بل اقتصرت على المطالبة بإصلاحات دستورية واقتصادية وسياسية، الأمر الذي دفع الطبقات المهمشة، إلى الحذر من توظيف جديد لقضاياها.

والفعل الثوري لا يمكن أن يأتي من الخارج، بالنظر إلى أن جميع المحاولات السابقة لتنظيم فعاليات جماهيرية في الشارع، سقط فيها ضحايا من الشباب، نتيجة التحشيد من قيادات مقيمة بالخارج، بما جعل إعادة النظر في مجمل أداء القيادات محتمة، بالمقارنة بين حجم تضحيات هائل وبين صفر مكتسبات.

وهؤلاء الأتباع، إما هارب يبني مواقفه وقراراته على “فقه الهروب” والملاحقة الذي لا ينتج رؤى متزنة عقلانية، وإما قيادات مسجونة لها حسابات خاصة مع التاريخ، وتصورات مختلفة للمستقبل، والجماعة في ذلك، تسعى من جهة لإنقاذ نفسها من أزمتها الخاصة، ومن جهة أخرى، تخشى من تنازل يهدد عودتها إلى السلطة، فتراهن على عنف شبابها في الشارع، وعلى ضغوط الخارج، لكي تخرج من السجون إلى قصور الرئاسة رأسا، كما تعيش القيادات الهاربة نفس الوهم، بتصور تقمص سيناريو الثورة الإيرانية.

وبشكل عام، فإن الجموع الغاضبة لا تكون قادرة على اتخاذ القرارات المنطقية، التي لا تنظر إلى أبعد من تصفية الحسابات والثأر، وقد ارتكب قادة الإخوان والجماعات الإسلامية المتحالفة معها على مدى السنوات الماضية خطيئتين، أدتا إلى انهيار الأوضاع وانتشار العنف والإرهاب.

الخطيئة الأولى، عندما عجزوا عن القيادة والإنجاز وتحقيق المكتسبات، بالأساليب والمناورات السياسية، فتركوا الشباب يفعل ما يشاء، تحت عنوان “الإبداع الثوري”، فتطورت المواجهات إلى العنف والحرق واستهداف رجال الشرطة والجيش. والخطيئة الثانية، عندما أعاد المرشد العام هيكلة الجماعة، لبدء إستراتيجية المواجهة الشاملة مع الدولة على الطريقة القطبية، باستهداف المرافق العامة وزرع المتفجرات، فتشكلت بعد هذا القرار مجموعات مسلحة سرية تنهض يوميا بالقيام بهذه التكليفات.

الفعل الثوري لا يمكن أن يأتي من الخارج، بالنظر إلى أن جميع المحاولات السابقة لتنظيم فعاليات جماهيرية في الشارع، سقط فيها ضحايا من الشباب، نتيجة التحشيد من قيادات مقيمة بالخارج

ومن ثم، لم يعد هناك برنامج سياسي واضح، يحدد أهداف الإسلام السياسي، سوى انتقاد كل شيء، وإفشال الحكم القائم بأي وسيلة، وهناك من يفضل استمرار حالة الفوضى، ويعمل على تغذيتها لتحقيق مصالح “جيو إستراتيجية”، بعيدة المدى بالنظر إلى أهمية الدور المصري إقليميا ودوليا، فصار برنامج هذا التيار يوضع له وترسمه قوى إقليمية، وهو ما أبعد الإسلاميين عن هموم الواقع المصري.

مع عدم الاستقرار الذي تعانيه الدولة على كافة المستويات، نتيجة أحداث الفترة الانتقالية، ظل التحدي الرئيسي بناء دولة جديدة قادرة على حماية الوحدة الترابية للبلاد، وحماية نسيجها من التمزق، وهو ما أدى إلى اعتبار مواجهة التنظيمات “المؤدلجة” ضمن الأولويات، إلى جانب محاربة الفساد ووضع حد للانقسام المجتمعي.

وازداد الوضع سوءا، مع فقدان تيار الإسلام السياسي عناوين مظلوميته، نتيجة تبنيه خيارات عنيفة، ودخوله في صراعات مسلحة، سقط فيها العشرات من ضباط وأفراد الجيش والشرطة، وأيضا صعود النسخة الأكثر فجاجة وبشاعة، متمثلة في تنظيم داعش، الذي أضرت ممارساته بمختلف الفصائل الإسلامية، وظهر للجميع ذلك الأسلوب المخاتل، الذي تعاملت به جماعة الإخوان مع التنظيمات الجهادية والتكفيرية، في محاولة لاحتوائها وتوظيف حضورها وترويضها.

13