الإخوان في مواجهة الأزهر.. استهداف قلعة التدين الوسطي

الاثنين 2013/12/23
في عرف الإخوان.. كل الفضاءات قابلة لأن تصبح ميادين عنف لاسترجاع السلطة

منذ إبعاد مرسي وإخوانه عن سدة الحكم، والجماعة تخبط خبط عشواء على أكثر من مستوى. حاربت على أكثر من واجهة وخلقت مزيدا من الأعداء. خلق الأعداء كان سهلا ويحتاج معيارا واضحا؛ من ليس معي فهو ضدي، ومن لم يدافع عن الجماعة فهو “انقلابي”. ومن ساند خارطة طريق تؤسس لمستقبل أفضل لأجيال مصر القادمة أصبح ضلعا من مربع الأعداء.

مؤسسة الأزهر كانت «عدوا» شرسا في منظور الإخوان أولا لكونها ساندت منذ البدء تحرك المؤسسة العسكرية منذ إطلالة عبد الفتاح السيسي ليعلن بدء عملية جراحية لاقتلاع الورم الإخواني قبل مزيد انتشاره، وثانيا (وهذا الأهم) لأنها تتحرك من نفس الفضاء الذي تدّعي جماعة الإخوان ملكيته واحتكاره: الفضاء الديني. لكن الخلاف بين المؤسسة الدينية الضاربة في العراقة، والجماعة الإخوانية له أسباب عميقة وأخرى مباشرة.

الأسباب العميقة تعود إلى أن كلا الطرفين يقدمان صورة خاصة لـ«إسلامه». فإسلام مؤسسة الأزهر الذي حرصت على الحث عليه منذ قرون هو الإسلام الحقّ الوسطي المعتدل، انطلاقا من قناعة هادئة بأن الدين الإسلامي هو دين اليسر والتحابب والتواصل، وليس دين الإكراه والجبر والترهيب. أما الجماعة فتقدم نفسها راعية للدين الإسلامي ومحتكرة له، بل تستمدّ منه ما يفيد دعاواها السياسية حتى وإن اضطرها ذلك إلى التعسف على سماحة النص ونصه المؤسس، تأخذ منه ما يخدم «التمكين» وأستاذية العالم» و«جاهلية المجتمعات» وغيرها من مقولات سياسوية مغالية. لذلك كان الموقف الأزهري من الإخوان قائما على الامتعاض والنفور من «الاستغلال» الإخواني للدين وتوظيفه في مواقف تتلوّن حسب المتغيرات.

أما الأسباب المباشرة فتعود إلى أحداث محددة رسمت شكل العلاقة المتوترة وبلورتها. فالعلاقة المعقدة بين تنظيم الإخوان المسلمين ومؤسسة الأزهر -الجامع والجامعة- تعود إلى عقود من المد والجزر، كانت خلالها الجماعة تشتكي دائما من ارتباط الأزهر بالسلط القائمة. لكن منذ ما بعد ثورة 25 يناير تحولت نظرة الإخوان إلى المؤسسة الدينية الأعرق إلى اتجاه جديد، ينسجم مع النزعة الإخوانية نحو الهيمنة على كلّ شيء في القطر المصري، هيمنة على الدولة ومؤسساتها وعلى الإعلام والاقتصاد ولم تسلم مؤسسة الأزهر من محاولات الهيمنة.

كانت أولى تجليات محاولة الهيمنة، تتمثل في تقدم الإخوان وحزب الحرية والعدالة بمرشحها الخاص لمنصب شيخ الأزهر، فبعد أن كان شيخ الأزهر يعين من قبل السلطة السياسية القائمة (تحديدا من قبل رئيس الجمهورية منذ سنّ قانون 1961 جعل اختيار شيخ الأزهر بالتعيين من قبل رئيس الجمهورية) فرضت ثورة 25 يناير ضرورة أن تعود الأمور إلى نصابها وأن يتم اختيار شيخ الأزهر بالاقتراع السري من خلال هيئة كبار العلماء، هنا تقدمت جماعة الإخوان بمرشحها الخاص في سعي محموم لـ«تأميم» المؤسسة لكن الجماعة لم تنجح في إيصال مرشحها عبدالرحمن البر إلى المنصب.

قبل مفصل 3 يوليو 2013، كانت علاقة الجماعة مع الأزهر مشوبة بالحذر فضلا عن محاولة الإخوان جر الأزهر إلى خدمة المشاريع الإخوانية، ونتذكر هنا اندلاع بعض الخلافات المتعلقة بموقف شيخ الأزهر أحمد الطيب خاصة من بعض مواد الدستور مثل المادتين الثانية والرابعة. حيث اقترح شيخ الأزهر يومئذ الإبقاء على النص الذي وردت فيه المادة في دستور 1971. وأثناء الاستنفار الإخواني لتمرير الدستور والتعبئة التي قامت بها الجماعة لحث الناخبين على التصويت بـ«نعم» لمشروع الدستور وإطلاق فتاوى تعتبر التصويت بـ«لا» حرام شرعا، واستنجدت في ذلك بطائفة واسعة من التيارات الإسلامية، كان موقف أحمد الطيب يسير في اتجاه مخالف للتصور الإخواني حين اعتبر أن الاستفتاء لا علاقة له بأحكام الشريعة والحلال والحرام، بل ناشد الأئمة ورجال الدين المصريين باحترام حرمة المساجد والنأي بها عن الخلافات السياسية.

مؤسسة الأزهر أكثر عراقة وتأصلا في التربة المصرية والعربية والإسلامية من جماعة الإخوان، ورغم كل المحن التي مرت بها المؤسسة فقد صمدت وحافظت على موقعها في الضمير الجمعي العربي الإسلامي، وستظل توفّر خطابها الإسلامي المعتدل في وجه التلوّن السياسي الإخواني

ثم جاء تكريم الشيخ أحمد الطيب في الإمارات في شهر أبريل من هذا العام، ليزيد في تأجيج الغضب الإخواني على الشيخ والمؤسسة وليوغر قلوب الإخوان على الرجل، حيث زعموا أن التكريم تشوبه دوافع السياسة أكثر مما تحدده الشروط الدينية والفقهية والعلمية.

ووصل الحنق الإخواني على الشيخ الطيب أقصاه مع ظهوره جنب الفريق أول عبدالفتاح السيسي أثناء تلاوته بيان عزل محمد مرسي، حيث عُدّ آنذاك مناصرا لما سمّي في التحركات الإخوانية «انقلابا».

مثلت تلك اللحظة (وقوف الشيخ الطيب جنب الفريق السيسي) تكثيفا واستحضارا لكل تموجات العلاقة بين الأزهر والإخوان، حيث تحوّل الأزهر الجامعة والجامع إلى ساحة مستعرة للصراع مع سعي الجماعة إلى الإبقاء على جذوة «قضيتها» ملتهبة، بل أصبحت أحد أركان المواجهة مع السلطة القائمة، وتحول الأزهر تبعا لذلك إلى احد أعداء الجماعة على شاكلة المؤسسة العسكرية والأحزاب السياسية والتيارات الشبابية المساندة لإقالة مرسي، فضلا عن كل من لم يساند اعتصامات الإخوان وتحركاتهم (على غرار اعتصامي رابعة والنهضة) من قوى مدنية ووسائل إعلام وغير ذلك.

لكن المؤسسة العسكرية والأزهر يمثلان معا حجر الزاوية التي تقف عليها الدولة المصرية، ولذلك تتوقف الآلة الدعائية الإخوانية عن استهدافهما معا. فالمؤسسة العسكرية لم تتردد في الإقدام على إجراء «العملية الجراحية» المستعجلة لاستئصال الورم الإخواني، أما الأزهر فقد حافظ على ديدنه في توفير خطاب إسلامي هادئ ورصين ومغاير لما يستند إليه الإخوان، ولم تحل كل الضغوط التي مارسها الإخوان على الأزهر وشيخه من إصراره على الوقوف مصدّا قويا أمامهم.

ولذلك كله أصبح أحمد الطيب في مرمى النيران الإخوانية لوعي الجماعة بأهمية الشخصية، فتتالت وقائع التشويه والتأثيم، بل كانت تتصلُ بكل حدث سياسي تكون الجماعة طرفا فيه، بدءا باختلاق حادثة التسمم الجماعي لطلاب جامعة الأزهر التي ترجم شباب الإخوان احتجاجهم عليها بمحاصرة مشيخة الأزهر. وبعد مشاركة شيخ الأزهر في رسم ملامح خارطة الطريق الجديدة التي دشنت مرحلة ما بعد مرسي تجددت حملات التشويه ليدخل يوسف القرضاوي على خط التهجم والانتقاد.

الثابت أن مؤسسة الأزهر ظلت ثابتة في أعين المصريين، الذي يرونها القلعة الجامعة للتديّن المصري، ولم تنل الحملات الإخوانية المحلية أو الخارجية (ذكرنا مثال القرضاوي فضلا عن أردوغان الذي أدلى بدلوه في انتقاد الطيب) من سمعة الرجل ومن موقع المؤسسة، وما عزز هذه الصورة هو أولا سلوك الإخوان العنيف والعدواني الذي أقام الدليل على أن الجماعة تدافع عن السلطة أكثر مما تدافع عن الوطن، وما ساهم في المحافظة على صورة الأزهر كذلك وقوف القوى السياسية بمختلف أطيافها وراء الغمام الأكبر، ولعلّ الموقف الفارق كان موقف حزب النور السلفي الذي ساند شيخ الأزهر وأصدر بيانا تفاعل مع حادثة التسمم الجماعي وأكد وجود حملات مبيتة للهجوم على شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بهدف اغتياله معنويا، لأن مواقف شيخ الأزهر لم ترض الحكومة ولا مرسي بسبب عدم موافقته على قانون الصكوك إضافة إلى خطابه شديد اللهجة أمام الرئيس الإيراني أثناء زيارته للقاهرة…

مؤسسة الأزهر أكثر عراقة وتأصلا في التربة المصرية والعربية والإسلامية من جماعة الإخوان، ورغم كل المحن التي مرت بها المؤسسة فقد صمدت وحافظت على موقعها في الضمير الجمعي العربي الإسلامي، وستظل توفّر خطابها الإسلامي المعتدل في وجه التلوّن السياسي الإخواني، الذي لم ير ضيرا في أن يعادي كل شيء من أجل مسوّغاته السياسية الصرفة.

13