"الإخوان".. مشكلة في المعارضة وكارثة في الحكم

الاثنين 2013/08/12
الإخواني معارضا: عاجز عن تقديم البدائل ولم يبرح موقع الاحتجاج

الدولة المدنية الحديثة التي تشجع العلم وتساند الحرية، تحاصر النمو الإخواني وتقلص نفوذه، بينما الاضطرابات الناجمة عن انحسار التنمية وزيادة رقعة الجهل ومعاداة البحث العلمي والفنون، عوامل تقوي الزراع الإخواني الذي ينمو بسبب الفقر والجهل معاً وغياب الديمقراطية وانتشار الاستبداد بكل أشكاله.

عندما ظهرت الجماعة على يد مؤسسها حسن البنا عام 1928، جاءت ومصر خارجة من ثورة 1919 طامحة لحرية واستقلال سياسي ولإنهاء حقبة الاستعمار البريطاني. كان «الوفد» يقود الأمة نحو برلمان مستقل في ظل دستور يمنح الشعب السلطة ويجعل الأمة فوق الحكومة كما يقول الزعيم سعد زغلول.

وقد جاء الإخوان بهدف واحد هو إضعاف قوة «الوفد» بمحاولة خلق شعبية أخرى حول جماعة تقود الجماهير نحو فراغ سياسي وتبعدها عن مطالب التحرير من المستعمر، ودفعها نحو سقوط في محيط الخلاف والتفكك بشأن تطبيقات للشريعة وأحكام الدين، التي لا خلاف بشأنها على الإطلاق.

كان الهدف الانتقال من السياسي إلى الديني وترك مشروع الاستقلال الوطني والطعن المباشر في وطنية «الوفد» وفتح النيران عليه. وقد توجهت مدافع الجماعة الثقيلة نحو الزعيم مصطفى النحاس. وقد حاول الإخوان قتله واغتياله في سلسلة الاعتداءات على زعامات شعبية. عرقلت الجماعة السعي للاستقلال الوطني وقد رفضت دائماً التوجه نحو منطقة القناة والانضمام إلى كتائب شعبية دخلت في مواجهة مع قوات الاحتلال.

تميز النشاط الإخواني دائماً بإثارة المعارك بشأن قضايا هامشية بهدف تحويل الانتباه من ملفات كبرى إلى أخرى غير حيوية، مع اتهام القوى الوطنية والتشكيك فيها والطعن في إيمانها.

القضية المرتبطة بالشعب المصري لها دائماً علاقة بالسياسة، إما بالكفاح ضد المستعمر أو محاولة تحقيق عدالة اجتماعية، أو الالتفاف حول دستور يضمن الحقوق والتصدي للدولة الاستبدادية.

كان الإخوان في زمن وجودهم في المعارضة مشكلة عويصة تطرح نفسها على كل الأحزاب والقوى السياسية، خصوصاً وأنهم في مرحلة التكوين كانوا بجانب القصر الملكي ومع أحزاب الأقلية ضد «الوفد» ومشروعه الوطني.

وبعد انحسار نظام الملك فاروق حاولوا فرض إرادتهم على نظام يوليو 1952. وحدث التصادم الذي استمر لأحقاب طويلة، ودفع الإخوان ثمناً باهظاً لرؤية أخطأت في فهم الواقع ورفضت النظر إلى متغيرات مرتبطة بالاستقلال وتأميم القناة وبناء السد العالي.

يقف المشروع الإخواني يعاند بإصرار كل هذه المسارات ويختار الاتجاه الآخر بإحداث الشغب السياسي واستمرار التنظيمات المسلحة. وقد اتجه سيد قطب لإعادة تشكيل الجماعة في اتجاه أكثر تطرفاً يدين المجتمع المصري ويضعه في خانة الجاهلية وضرورة الإطاحة به. وجاء تنظيم سيد قطب علامة على مسار الإخوان، فكلما واجهوا أزمة سياسية عنيفة تتجه تيارات منهم نحو المزيد من التطرف واستخدام العنف وإدانة الجميع.

وقد أتاح السادات أمامهم حرية الحركة وسمح لمجلة «الدعوة» بالصدور مرة أخرى ومنحهم مكاناً في نظامه، غير أن التيارات التي خرجت من أحشاء الاخوان وجهت له طلقات الرصاص وقتلته، علامة على مشكلة للفكر السياسي الديني، بأنه لا يستطيع التفاعل مع الواقع ولا يستطيع سوى استخدام الرصاص لأنه غير مؤهل للحوار.

وقد سمح لهم نظام مبارك بالنمو، بأن ترك التعليم يتخلف والثقافة تتراجع، مما سمح بانتشار العشوائيات حيث نمت الجماعات الإخوانية في ظل التخلف الذي ساد حقبة مبارك مع اشتداد قبضة الأمن التي لا تحل شيئاً وإنما تزيد تعقيد الموقف.

خلال حكم المرحلة القريبة من الليبرالية في العصر الملكي وتعدد الأحزاب، كان الإخوان لا يملكون صوتاً واحد في البرلمان لأن شعبيتهم كان يحاصرها الإقبال على العلم والجامعات وازدهار نسبي للحياة الثقافية، مع رواج الفنون المصرية كلها. وقد حصلت الجماعة على 88 مقعداً في برلمان 2005، وهذا يؤكد أن التقدم نحو النهضة يحاصرهم والتراجع عنها يدفعهم إلى الأمام.

بدأت عودة نفوذ الجماعة مع نكسة 1967، التي سمحت لهم بالانتعاش في محاولة لجرّ المجتمع للشعور بالندم على هزيمة عسكرية، تقف خلفها أسباب موضوعية ولا علاقة بما حدث للتفسيرات الغارقة في الضبابية والغموض ومحاولة إيذاء المصريين شعوريا بأنهم تخلوا عن الدين فجاءهم العقاب الإلهي.

منحت النكسة قابلية الحياة للفكر الإخواني، مع ضعف الدولة وزيادة الأعباء الاقتصادية وتراجع الإنفاق على التعليم. وعندما جاء السادات إلى السلطة انحاز إلى هذا التيار كراهية في الفريق الآخر الذي وقف ضده بشكل عدائي واستفزه، مما جعل الرئيس يعيد هيكلة المجتمع بشكل مختلف في اندفاع نحو انفتاح الاقتصاد وتراجع في الوقت نفسه عن قيم العلم والحرية والعقل.

وقد ورث مبارك نظام السادات وكان رئيسا تقليدياً ليست لديه رؤية لتحديث البلاد التي سقطت في قبضة الفساد، وتدهور التعليم والثقافة، ومنح ذلك الإخوان فرصة للحصول على المزيد من الجماهير التي سقطت نتيجة تراجع التعليم والدخول في تناقضات عنيفة مع ثقافات عقلية أطلت على مصر مع بداية القرن الماضي.

مهّد عصر مبارك لوصول الإخوان إلى السلطة، وعندما ثار المصريون على نظام الاستبداد، كانت الجماعة الأكثر تنظيماً حيث استطاعت باستخدام آلة الخداع والتضليل القفز إلى الحكم. وعندما وصل الإخوان إلى السلطة ظهر فشلهم الذريع في إدارة البلاد، لأن التنظيم غير مؤهل للحكم ولا يملك أدوات إدارة الدولة. واستخدم الرئيس الإخواني كل وسائل البطش في تفكيك مؤسسات المجتمع.

إن الجماعة تستطيع بكفاءة إدارة تنظيم سري مغلق، ولكنها تفشل في قيادة مجتمع متعدد الطبقات والتيارات. وعندما خرج الإخوان من الحكم عادوا مجدداً لأسلوب المشاغبة والدفع نحو استخدام العنف في بيان واضح بعدم رغبتهم في الحرص على سلامة الوطن أو سيادته.

كان الإخوان يمكن لهم المشاركة في عملية سياسية تحاول إعادة البناء وكتابة الدستور على أسس تضمن العدالة الاجتماعية واستقلال البلاد، لكنهم كعادتهم دائماً يريدون أن يكونوا في قلب المعادلة مع نفي الآخرين، مع أن السلطة الجديدة الحالية دعتهم للمشاركة على قاعدة أن من حق الجميع العمل من أجل سلامة الوطن واستقلاله.

كان يمكن للإخوان المشاركة، لكنهم يفضلون البقاء في الشارع وإثارة الشغب والعنف. عندما كانوا في المعارضة اعتمدوا دائماً على القوة وسلاح الاغتيالات والعنف الدموي وعندما وصلوا إلى السلطة مارسوا الأسلوب نفسه. شعور الإخوان بالدعم الخارجي والأميركي، منحهم المزيد من القوة والغرور والتطاول والمراهنة على إحراق الوطن وعدم الاهتمام بأمنه وسلامة مواطنيه.

ومصر أمام تحد اسمه الإخوان مستمر معها منذ عام 1928، فالجماعة دائماً تشكل الضغط والإرهاق للنظام المصري السياسي والاجتماعي. وهذا الوضع لا يمكن له الاستمرار ولابد للمجتمع المصري أن يصل إلى صيغة تضمن الخروج من هذه الحلقة الرهيبة، وقد تكون المعركة القادمة هي النهاية لهذا الشغب الإخواني، لكن نزع جذورهم من المجتمع ستتطلب نشر التعليم في كل مكان وجعل الثقافة والفنون كالماء والهواء كما قال طه حسين.

13