الإخوان وإيران.. الحكم للتنظيم وللإنسان وعود بالجنة

تنظيمات الحكم الشيعية والإخوانية تطوّع الدين بهدف التحكم في الفرد ليغدو أداة لتحقيق مشروع الثورة الإسلامية، ثم الخلافة وبعدها سيادة العالم.
الأربعاء 2020/01/15
اشتراك في النفير التنظيمي

لا تسلْ عن الوطن في عالم تنظيمات الدين السياسي فما هو إلا حفنة من تراب، ولا تسل عن القوانين والمواثيق والدساتير فللتنظيم الديني، سني وشيعي، دستوره القرآني الذي تملك قياداته ومرجعياته تأويلاته القادرة على التأصيل الشرعي لكل موقف وعكسه. ولا تسل عن الإنسان في أوطان التمكين فهو رقم يُساقُ إلى ساحات التضحية ليبني مجدا لقادته.

هذا الحسم المبكر للنتائج المترتبة عن تصورات التنظيمات الدينية يقود إلى مشاهد الواقع المتدافعة من رقع ملتهبة على خارطة عالمنا الإنساني المعاصر. ربما يكون مفجّرها تداعي المشاهد على ساحة وطن التمكين الشيعي – إيران، ومدى ارتباط هذه المشاهد بنظيراتها في أوطان التمكين السني والتي تظهر في القلب منها جماعة الإخوان.

الحديث هنا يشير إلى أنظمة حكم فعلية، وتنظيمات في مشاهد حكم رسمي أو غير رسمي، والجامع في كل تنظيم يطوع الدين ليحكم ويتحكم في الفرد الإنسان، ليغدو أداة لتحقيق مشروع الثورة الإسلامية، ثم الخلافة وبعدها سيادة العالم.

في نفيرها لوداع جثمان قاسم سليماني، كانت حناجر القواعد الشيعية تهتف مُخلصة “الانتقام – الموت لأميركا”، بينما كانت أقدام حماسها تدهس بعضها. وبحسب تصريحات عباس أميان، رئيس المركز الطبي الشرعي في مدينة كرمان الإيرانية، فإن حصيلة ضحايا التدافع جاوزت 50 قتيلا، وبلغ عدد المصابين 212 شخصا، بعضهم في حال خطيرة.

في استنفارها للثأر لمقتل سُليماني، لم تتوقف إيران كثيرا عند هؤلاء الضحايا، إذ كانت مُنشغلة بالإعداد للثأر ومواجهة العدوان، وهو ما أدى إلى استهداف صاروخي لقواعد أميركية في العراق، لم يخلف ضحايا في صفوف القوات الأميركية، بل أسفرت ربكة الاستنفار عن فوضى دِفاعية أطلقت صاروخين استهدفا طائرة ركاب مدنية أوكرانية لتنفجر وعلى متنها 176 راكبا، وتوزعت جنسيات بقية الضحايا على ست دول.

حاولت إدارة التنظيم الشيعي الحاكم في إيران التعاطي الأولي مع الحدث باعتباره مناظرا لحادث ضحايا التدافع، باعتبار أن الأمة في معركة ولكل معركة ضحاياها لأي سبب، وهو التعاطي القابل لأن يمر، حال كون الطائرة إيرانية وكل رُكابها من مواطني دولة التنظيم، بالتالي يكون الموقف الرسمي إعلان سقوط طائرة وانتظار التحقيقات.

تغيرات في المشهد

مُتغير طرأ على المشهد يشمل جنسية الطائرة وتنوع ضحاياها. الأمر الذي أجبر دولة الملالي على الاعتراف بعد الإنكار، والتصريح بالتعويض والاعتذار عقب الاستكبار.

ولأن مشروع الدين السياسي مُناقض للفطرة الإنسانية، فأي تمكين مهما بلغت قوة قبضته على مقاليد الأمور في وطن، يُصبح بحضوره في صدارة الإدارة أمام مواجهة مواطني القُطر، ومحل تقييم من قواعده التي لم تنسق لسيطرته أو لم تفقد ميزة إعمال العقل بفعل الخِدر العقدي، ما أنتج في الواقع العراقي حراكا ثوريا من الشيعة مُناهضا للحضور الإيراني في مشهد إدارة العراق، ودفع جموعا إلى التظاهر رفضا لأداءات دولة الملالي التي رعت هتافات “الموت لأميركا”.

لم يحصد منها الإيرانيون إلا الموت في التدافع، وعلى الطائرة الأوكرانية، وبعدما كانت صور سليماني محل حفاوة استحالت قصاصات بين يدي مواطن إيران المُنتفض، هاتفا لقادة تنظيم الملالي: اتركوا البلاد بأمان- الموت للدكتاتور- نريد استقالة الكذابين- نريد استقالة خامنئي-ليخجل الحرس الثوري.

في مثل هذه المواجهات تلجأ عادة إدارة تنظيم التمكين إلى خطاب التخوين، وتبحث عن قرائن لإثبات خيانة خصومهم.

في المشترك بين القيادتين الشيعية والإخوانية لقواعدهما عقيدة صنعت على هوى التنظيم، وهياكل تدار وفق خطط مسبقة، ونفير تنظيمي موحد

ولهذا لا عجب حين يتّسق خطاب الدولة الإيرانية الإعلامي مع خطاب الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، ذراع التنظيم في لبنان، إذ اتفق التنظيم على الربط بين إشادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمتظاهري إيران، باعتباره دليلا على أنهم خادمون لمشروع “الشيطان الأكبر”.

وجدت الإدارة الإيرانية صيدا ثمينا بين يديها، أثناء مظاهرات السبت 11 يناير تمثَّل في روب ماكاير، السفير البريطاني لدى إيران، الذي كان يقوم بتصوير المظاهرات أمام إحدى الجامعات، وهو ما عُدَّ دليل خيانة المُتظاهرين للدولة الإسلامية. وكان قرار الملالي هو احتجاز الأمن الإيراني للسفير لمدة ثلاث ساعات، ونشر الخبر عبر وسائل الإعلام الرسمية، مصحوبا بتأكيد وكالة أنباء تسنيم، أنه “تعرض للاعتقال خلال مظاهرات الطلاب أمام إحدى الجامعات في طهران”.

بغض النظر عن توصيف الخارجية البريطانية للحدث باعتباره انتهاكا للقانون الدولي، فإن الغاية من الفِعل تجعل الاعتذار في ردهات الدبلوماسية الخارجية والتحجج بتأمين السفير حتى لا يتم الاعتداء عليه إجراء اعتياديا من دولة مأزومة العلاقات الخارجية.

منح الفِعل ذاته إدارتها ما تستهدف من دليل مادي تسوقه عبر مرجعياتها لقواعدها، لتصوغ لهم التوحد في مواجهة “المتمردين الخونة عملاء الشيطان الأكبر الذين يحركهم السفير البريطاني”، وهكذا تُهمة مع دليلها، صورة السفير، كفيلة بأن تحول كل متظاهر ضد الملالي إلى هدف، ليس فقط من قبل قوات الأمن وأجنحتها، وإنما من قبل كل مواطن صادق في الدفاع عن الإسلام وثورته ودولته.

يحفل الواقع والتاريخ بعدد كبير من نماذج النفير الإخواني، لمواجهة من تُسميهم قياداته “أعداء المشروع الإسلامي”، ويُلخص مؤسس تنظيم الإخوان، ما يُريده من العضو التنظيمي لتحقيق مشروع تمكينه.

النموذج الإخواني

مشروع الدين السياسي مُناقض للفطرة الإنسانية
مشروع الدين السياسي مُناقض للفطرة الإنسانية

في شهادته على إدارة حشود الإخوان في مواجهة الأهالي وقوات الأمن والجيش، عقب ثورة 30 يونيو 2013، وهو ما عرف بأحداث “سيدي جابر”، قال أحد الإخوان في الإسكندرية يفضل أن يرمز لاسمه بـ”أ. سيد البنا”، “قيادة الإخوان المسؤولة عن هذا الحشد في ذلك اليوم، فؤاد علوان وسمير المالحي ومدحت الحداد، قاموا بتحفيز الصف على الصمود والجهاد، وفجأة تم الانسحاب دون سابق إنذار وبأمر من نفس القيادات تاركين خلفهم الإخوان ومن خرج من غيرهم بمن فيهم الجرحى والقتلى والنساء والأطفال في المسجد”.

بعد الانسحاب بأمر من الحداد، تم اعتقال جميع من كان في المسجد من جرحى، وتم اتهامهم بقتل المتظاهرين، وأصبح المتظاهرون من نساء وأطفال مثل الفراخ كل الناس يمسكون بهم، مؤكدا أنه تم الإفراج عن هؤلاء، ولم يحاسب مدحت الحداد أو فؤاد علوان أو غيرهما.

مضت نحو ست سنوات عن الحدث، وعقب هروب الحداد وغيره من قيادات التنظيم إلى تركيا، وخروج الحداد لإدانة من أعلن المقاومة المسلحة للدولة المصرية، اتساقا مع قرار الإخوان بالعمل المسلح النوعي بعد فض اعتصام رابعة، ثم العدول عن ذلك وإعلان تبني المقاومة السلمية، تساءل إخواني الإسكندرية، لماذا كان هذا الحشد ومواجهة الجيش والشرطة والبلطجة ودعوات للجهاد؟

ورغم قسوة الأوضاع التي يسوق التنظيم قواعده إليها في مصر، إلا أنها أقل حدة من التي يُساق إليها إخوان سوريا واليمن وليبيا، فهناك للنفير طعم الدم والجميع يحتشد مُخدرا بالعقيدة.

في المشترك بين نظرة القيادة الشيعية والإخوانية لقواعدهما عقيدة صيغت على هوى التنظيم، وهياكل تُدارُ وفق خُطط مسبقة، ونفير تنظيمي مُوحد حال استعراض القوة تُلبيه القواعد المسحوقة لقيادتها، حاملة يقينا عقديا بأنها تُلبي نداء ربانيا خالصا.

هذه النفوس المُخدرة بفعل الخطاب التنظيمي لا يملك أي متابع لها من الناحية الإنسانية إلا التعاطف مع براءة قطعان يسوقها راعيها إلى مذبحها ليُحقق مجده، هكذا يمكن ترجمة المشهد حين الانتقال إلى خانة المتابعة في منصة القادة المشغولين باستثمار الحشود، والتي كُلما زادت أعدادها تستحيل لأوراق لعب في يد قيادتها على طاولة الحضور المحلي والإقليمي والدولي.

في المشترك بين القيادتين الشيعية والإخوانية لقواعدهما عقيدة صنعت على هوى التنظيم، وهياكل تدار وفق خطط مسبقة، ونفير تنظيمي موحد

13