الإخوان وإيران.. في "براغماتية" الحلف بين الحركة والدولة

الجمعة 2013/11/29
الاختلاف المذهبي بين الإخوان وإيران لم يحل دون مد الجسور الخفية للتعاون

المستجد السياسي الذي برز في مصر (المعقل التاريخي للتنظيم الإخواني) منذ 3 يوليو 2013، وما أفرزه من دعم بعض الدول والتنظيمات والهياكل لـ»شرعية» انتخابية مهترئة بفعل الأداء السياسي الضحل، طرح بشدة إشكال علاقة التنظيم الإخواني بأقطار وقوى إقليمية، وعزز هذا الطرح المنعرج الذي عرفته العلاقات المصرية- التركية مؤخرا، نتيجة للدعم التركي المنقطع النظير للإخوان، كما طرح أيضا إشكال العلاقة الفكرية بين جماعة الإخوان «السنية»، ونظام الوليّ الفقيه «الشيعي»، وما يبدو من هذه العلاقة القديمة أن التنظيمات الإسلاموية قد تعلو على اختلافاتها المذهبية في سبيل تحقيق تمكينها المشتهى تاريخيا، وهي بذلك تعلي «إسلامويتها» على أوطانها.

توافرت في العلاقات المصرية- الإيرانية إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، بوجه عام، وفي العلاقات بين النظام الحاكم في طهران وجماعة الإخوان المسلمين، كل عوامل التشويق والإثارة، من جانبها السياسي والشعبوي.

إذ لم يمر شهر واحد دون تغيير معادلة العلاقات، بين إقبال ومراوغة، بدءاً من إزاحة الرئيس حسني مبارك من السلطة بالفعل الثوري الحاشد، ثم صعود الإخوان ورئاستهم للبرلمان، ثم حله، ثم انتخاب غرفة ثانية للبرلمان (مجلس الشورى)، وترأس واحد من الإخوان له، ثم انتخاب رئيس منهم للبلاد، ثم عزله، ما وفر لتلك الحالة الخاصة، بُعداً فريداً، أعطى لتلك المرحلة التاريخية المهمة، زخماً فوق الزخم الذي اعتادت العلوم السياسية والتاريخ أن يتوقفا عنده، في العلاقات المصريةـ الإيرانية.

للتقارب دواعيه البعيدة

وعند الحديث عن العلاقات بين جماعة الإخوان المسلمين ومركزها ومكان نشأتها (مصر)، ونظام ولي الفقيه في إيران، باعتباره نظاماً شيعياً خالصاً، يجب الأخذ في الاعتبار عدة عوامل رئيسة يمكن من خلالها فك ألغاز وحل معضلات العلاقات الثنائية:

أولاً: يجب التعامل مع النظام الإيراني الحالي على أنه «حركة» خمينية، تولت زمام السلطة في طهران بعد الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، وبالتالي فإن العلاقات بين الإخوان كحركة دينية سياسية وصلت إلى السلطة في مصر، والخمينية كحركة وصلت هي الأخرى إلى السلطة، يغلب عليها طابع التكافؤ والندية والتوازن في المقادير.

ثانياً: العلاقات الإخوانية- الإيرانية ليست علاقات ثنائية بحتة، كما هو الحال في معظم نماذج العلاقات الدولية بين المؤسسات أو الأنظمة أو حتى الجماعات الأخرى، ذلك أن حركتا الخميني والإخوان مرتبطتان في الأساس بعدة عوامل حاكمة في سير علاقاتهما الثنائية، وداخلة في صلب تكوين وجهتي نظرهما حيال المسائل الملحة والمحددة للإستراتيجيات العامة لدى كل منهما، وأبرز تلك العوامل ما يتعلّق بحركة حماس ودعم إيران لها بالإضافة إلى الثورة السورية، وما سببته من مشكلات دولية وإقليمية لا حصر لها.

ثالثاً: إن المتتبع لسير العلاقات المصرية- الإيرانية إجمالاً، يوقن أن العامل الإسرائيلي هو المحدد الحاكم والمسيطر على سير العلاقات الثنائية بينهما على مر عقود التاريخ المعاصر؛ ذلك أن الحكومة المصرية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر قطعت علاقاتها مع الشاه عام 1960، إثر اعتراف بلاده بإسرائيل، وفي المقابل بادرت الحكومة الخمينية الجديدة في إيران بعد نجاح الثورة عام 1979، إلى قطع العلاقات مع مصر بعد أن وقع الرئيس المصري محمد أنور السادات معاهدة السلام في كامب ديفيد مع إسرائيل.

حماس متبادل

قال يوسف ندا (المفوّض السابق للعلاقات الدولية في جماعة الإخوان المسلمين): «كنت المسؤول عن الاتصال بإيران، وهذا الكلام يعرفه الإيرانيون جيداً، وقبل نجاح الثورة تكوّن وفدٌ إخواني والتقى بالخميني في باريس بمجرد أن ذهب إلى أبي الحسن بني صدر هناك، بهدف تدعيمه، وكان من ضمن الوفد راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة بتونس، وحسن الترابي من السودان، وعدد من الإخوة من لبنان، وكانت لنا صلة بآية الله بهشتي، والسفير الإيراني في مصر هادي خسروشاهي، وهناك علاقات قديمة بين الإخوان وإيران منذ أيام حسن البنا، فهناك علاقة بين حسن البنا والإمام محمد القمني في إيران، وكذلك علاقات بين حركة الإخوان وحركة فدائيي الإسلام الإيرانية، التي ناصرت الخميني وأسهمت في إنجاح الثورة، وكانت لنا علاقة بآية الله محمد بهشتي منذ أن كان موجوداً في الولايات المتحدة الأميركية، وعلاقات بإبراهيم يزدي منذ أن كان مقيماً بمدينة هامبورج الألمانية».

أما الخميني من جانبه، فلم يكن أقل تحمساً في إقامة علاقات متينة مع الإخوان، فعيّن ضابطاً خاصاً للاتصال مع التنظيم الدولي للجماعة مقره في مدينة لوغانو السويسرية بتاريخ 14 مايو/ أيار 1979، أي بعد ثلاثة أشهر تقريباً من نجاح الثورة الإيرانية.

ما يمكن قوله للدلالة على تاريخية العلاقات، بين الجماعة وإيران، أن الشيخ حسن البنا، قام بالدور الأبرز في التقريب بين السنة والشيعة، وكان يستند لمفاهيم الوحدة الإسلامية، ومحاربة الطغيان والاستبداد، ونصرة القضية الفلسطينية، وطرد المستعمر. ويعتقد الباحث الإيراني عباس خامه يار أن العلاقات بين جماعة الإخوان، وبين قادة الحركة الشيعية بدأت قبل الثورة بسنوات طويلة، وكانت «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» عنصراً مهماً من عناصر التقارب الفكري بين الجانبين، وكان حسن البنا أحد الناشطين في الدار.

ومما يؤكد علاقة الإخوان المسلمين بالحركة الشيعية الإيرانية المناهضة للشاه في تلك الفترة، تلك الحميمية التي كان يكنها الإخوان للناشط الإيراني نواب صفوي.

دعم إخواني للثورة الخمينية

وإجمالاً، اتخذت جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي، مواقف معتدلة من النظام الإيراني، بالرغم من أن الجماعة سنية والولي الفقيه الجديد شيعي، إلا أن الاختلاف المذهبي لم يمنع الحركتين من التقارب أكثر فأكثر، ومرد ذلك إلى أن منهج الجماعة يقوم في الأساس على «إحسان الظن بالمسلمين، وعدم التدقيق في خلفياتهم العقدية، خاصة إذا كانوا في صراع مع القوى المعتدية على الأمة الإسلامية». امتد التأييد الإخواني للخميني وثورته حتى وصل ذروته في كلمة لأحد ممثلي التنظيم الدولي للجماعة في الكويت، إسماعيل الشطي، قال فيها بالحرف: «وبما أن الشيعة الإمامية من الأمة المسلمة والملة المحمدية فمناصرتهم وتأييدهم واجب إن كان عدوهم الخارجي من الأمم الكافرة والملل الجاهلية، فالشيعة الإمامية ترفع لواء الأمة الإسلامية، والشاه يرفع لواء المجوسية المبطَّن بالحقد النصراني اليهودي، فليس من الحق أن يؤيد لواء المجوسية النصرانية اليهودية ويترك لواء الأمة الإسلامية، ويرى هذا الصوت أن محاولة تأسيس مؤسسات إسلامية في إيران تجربة تستحق الرصد كما تستحق التأييد لأنها ستكون رصيداً لأي دولة إسلامية تقوم في المنطقة إن شاء الله وما ذلك على الله ببعيد».

خلاصة من بحث محمد حسين أبو النور «العلاقات المصرية الإيرانية بين القبول والمراوغة»، ضمن الكتاب 80 (أغسطس 2013) «توظيف الدين لمعركة السياسة'' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13