الإخوان والجماعات الإرهابية

الاثنين 2014/01/27

تفتح الوعي السياسي لجيلي على أن جماعة الإخوان تتسم بالاعتدال، وأن نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك كان يتعمد اضطهادها، لكن كلما تعمقنا في القراءة وتجمع لدينا الكثير من خيوط التصرفات التاريخية، نتأكد أنها جماعة مخادعة ومتلونة، وجه معتدل في الظاهر وآخر متطرف في الباطن.. وعندما وقعت الواقعة، وبدأت ملامح سقوط تجربة الإخوان في الحكم تتزايد، جاءني زميل (صحفي) قريب من الإخوان يحذرني من خطورة عزل الرئيس السابق محمد مرسي، حتى لو كان عن طريق ثورة شعبية، مؤكدا أن هناك ترتيبا محكما لتحويل مصر إلى قطعة من “جهنم”، فقد جرى توزيع كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات على كوادر الجماعة في أماكن مختلفة.

تحذير زميلي لم يقف عند هذا الحد، بل تمادى بعد 30 يونيو الماضي، وقال إن جيوشا (إخوانية) مستعدة للزحف من الدلتا والصعيد على القاهرة لكسر شوكة الشرطة والجيش. وقد التقيته مؤخرا وذكرته بهذا الحوار المتطرّف، وأن نبوءته أو قل معلوماته لم تتحقق كاملة، فكل ما حدث عبارة عن عمليات عنف وإرهاب تظل محدودة بمقاييس التهديد السابق، فاعترف أن قبضة الأمن كانت قوية وأفشلت عددا كبيرا من العمليات، ومع ذلك لا يزال حتى الآن يراهن على أن الاستمرار في العنف هو السلاح الوحيد الذي يملكه الإخوان، فقد تم سد جميع النوافذ والأبواب السياسية. وسواء كان الأمر بإرادتهم أو فرض عليهم، اعترف الزميل أن لدى جماعته شبكة واسعة من التحالفات مع تنظيمات متشددة في الداخل والخارج، لا خيار لها في التعامل مع الدولة غير العنف (الإرهاب).

تذكرت هذا الحوار، الذي مضت عليه بضعة شهور، عقب رؤية آثار تفجير مديرية أمن القاهرة، قبل يوم واحد من احتفالات الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، وعلى الفور أشارت أصابع الاتهام إلى جماعة الإخوان، لمسؤوليتها المباشرة أو غير المباشرة في ما يحدث، فقد توعدت على لسان عدد من قادتها وأنصارها، أن عزل مرسي ستعقبه عمليات عنف مدمرة، وقال القيادي محمد البلتاجي في تصريح شهير” أعيدوا مرسي نوقف العمليات (يقصد الإرهاب) في سيناء”، وتردد هذا الكلام بصور وأشكال مختلفة على ألسنة آخرين. ومع ذلك هناك من ينفيه، ويشير إلى أن إرهاب جماعة أنصار بيت المقدس، والتوحيد والجهاد، وغيرهما من الحركات التي ترفع شعارات تكفيرية لا علاقة للإخوان بها، ولا تستطيع التحكم في التصرفات التي ترتكبها. الواقع أن الجماعة تحاول إعادة إنتاج تجربة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات المبهرة، رغم اختلاف الزمان والمكان والهدف، حيث نجح في تكوين عدد من فصائل المقاومة، وجميعها خرج من عباءة حركة “فتح”، وكلما حاول مضايقة إسرائيل أوحى لإحداها بتدبير عملية مقاومة تقلقها وتوقع بها خسائر فادحة، وإذا عاتبته أو لامته تل أبيب، كان يتنصل منها، وأنه لا سلطان له عليها. وأجاد الراحل “أبو عمار” هذه اللعبة، ونجح في إزعاج إسرائيل.. واليوم يحاول تنظيم الإخوان المفكك تكرار طريقة “أبو عمار” من خلال إيقاظ عدد من الخلايا النائمة، وتأسيس حركات كرتونية لزوم الفرقعة الإعلامية، لكن الجماعة تناست عاملين: أحدهما أن الزعيم الفلسطيني كان يحارب عدوا مغتصبا لأراضي وطنه، وفي هذه الحالة كل الأدوات مباحة، طالما أنها ستحقق هدفا وطنيا، والآخر وجود درجة عالية من الإجماع السياسي على هذا المنهج، وحصوله على أنواع مختلفة من الدعم العلني والسري. أما في حالة الإخوان، فهم يحاربون وطنا يعيشون فيه ولا يعيش فيهم، ويريدون الهيمنة عليه بمفردهم، ويفتقرون إلى أدنى نسب القبول الشعبي، وأصبحت لعبتهم مكشوفة، ومحل امتعاض واستهجان، وزادت نقمة الشوارع المصرية عليهم، وتضاعفت معالم المأزق، فالقدرة على الاستمرار في الحشد الجماهيري تلاشت تقريبا، وعمليات العنف والإرهاب تنحسر في ظل التضييق الأمني، والمناورة السياسية باتت معدومة والطرق التي توصل إليها مغلقة، بالضبة والمفتاح، كما نقول في مصر.

اشتداد حلقات المأزق، وضع الجماعة في محك تاريخي، إما أن تنفض يدها عن الجماعات الإرهابية، وتدينها صراحة وبالاسم، أو تقبع معها في خندق الترويع والعنف والإرهاب، الذي تبنته بإرادتها، لأن دويّ تهديدات قادتها لم تمحها الأيام، بل هناك من يصمم على تكرارها حتى الآن، الأمر الذي جعل كثيرين لا يفصلون بينها وبين ما يجري في سيناء، وما تتعرض له مؤسسات شرطية متعددة، لذلك من الطبيعي أن يترسخ في وجدان الناس أن الإخوان والجماعات الإرهابية وجهان لعملة واحدة.

كاتب مصري

9