الإخوان والخليج.. أممية دينية في مواجهة أنظمة راسخة

العلاقة بين الإخوان والخليج والتي مرت بمنعرجات عديدة، تنفتح على قضايا كثيرة تتجاوز المنطقة والجماعة وتمتد إلى الدولة الحديثة الراسخة التي تواجه جماعات تطرح أممية دينية عابرة للأوطان.
الجمعة 2017/05/26
صراخ ضد الدولة

التهديد الذي مثلته جماعة الإخوان على أقطار الخليج وعلى غيرها، هو من نفس جنس التهديد الذي تمثله إيران. والملفت في هذا الصدد هو وجود نشازات على الإجماع الخليجي المدافع عن شرعية الدولة الحديثة، نشاز يدعم الإخوان ويغازل إيران.

كان السقوط الفعلي لجماعة الإخوان في مصر يعني خسارة الشبكة الدولية نقطة الارتكاز المركزية لها في العالم العربي والإسلامي. وعبَّرت المواقف التي تلت سقوط الجماعة عن المصالح المتشابكة التي مثّلت فعليا مصالح الشبكة الإخوانية.

وكان لسقوط الجماعة تأثير كبير على المحور الجديد الذي كان قيد التشكل، والذي كانت قطر وتركيا ضلعين رئيسين فيه، فقطر أعلنت عن تحفظها الشديد على الإطاحة بمحمد مرسي، وما تلا ذلك من مصادمات بين النظام والإخوان. ووضعت قطر أداتها الإعلامية الأقوى في خدمة الجماعة، وعبّرت قناة “الجزيرة مباشر مصر” كصوت يحكي سردية “الانقلاب على الشرعية”، (وفقا للرواية الإخوانية).

على مستوى علاقة الإخوان المسلمين بالخليج من هذه الزاوية، فإن مسألة “التنظيم الدولي” تمثل أحد أهم الهواجس لدى حكومات الخليج، فيما يخص رؤيتها وصراعها مع جماعة الإخوان المسلمين. الأزمة التي لم يرها الإخوان أن خطابهم الفكري والسياسي لقياداتهم وأدبياتهم صدّرت صراحة هذا الأمر، حتى ولو تم نفيه من بعضهم كإخوان الإمارات على سبيل المثال حينما زاد الضغط من الحكومة الإماراتية عليهم، وهو خطأ وقع فيه رموز الجماعة الأم في مصر، التي كان جزءا من إشكالياتها الكبيرة بعد الوصول للسلطة هو الخطاب الذي تمت رؤيته خطابا استعلائيا يستبطن “مشروعا خاصا” متجاوزا لمشروع الدولة الوطنية، وهو الأمر الذي جعل حكومات عربية تأخذ موقفا حذرا من جماعة ظلت تتحدث عن مشروع مختلف عن مشروع الدولة.

الجماعة الأم في مصر، كان جزءا من إشكالياتها بعد الوصول للسلطة هو الخطاب الذي يستبطن مشروعا متجاوزا للدولة الوطنية

التهمة الرئيسة التي تم بها اتهام “جمعية الإصلاح” في الإمارات، هي تبعيتها للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وتبنيها مشروعا غير وطني يُتحكم فيه من مؤسسات أجنبية تابعة لتنظيم دولي تديره جماعة الإخوان المسلمين. والحقيقة أن جزءا من المشكلة التي وقع فيها الإخوان في الخليج، والإخوان بشكل عام، أنهم لم يقدموا أي تصور فعلي أو أي مراجعة فكرية تُحسم بها جدلية الصراع بين الأطروحتين: الأممية والوطنية، بعد تآكل خطابها الوطني. مثل هذه المراجعة هي التي تظهر الحدود الفاصلة بين الخطابين، وتعيد الاعتبار للخطاب الوطني، وهذه المراجعة لا تعني فقط إضعاف -إن لم يكن إلغاء- وجود ما يسمّى التنظيم الدولي، وإنما كشف الجماعة لموقعها في سياسات الشرق الأوسط، وعزمها التخلي عنه مقابل الاندماج الكامل في بنية الدولة الحديثة.

جاء “الربيع العربي” ليمثل أيضا تحديا على مستويات عدة، أبرزها سؤال مشروعية حكم الأنظمة الملكية والإصلاحات الديمقراطية في بلدانها. وظهر التحدي بشكل أكبر مع وصول جماعة الإخوان المسلمين للسلطة في البلدان التي سقط فيها رؤساء موالون أو متحالفون مع الخليج. وإن كان مهمّا هنا فصل التخوف من جوهر الحراك نفسه حول مسألة “الديمقراطية” وبين النظر إلى حراك “الربيع العربي” الذي أتى بحكومات إسلامية (ذات طابع إخواني) في مصر وتونس واليمن وليبيا، وكونها بديلا قويا محتملا في سوريا في حال سقوط بشار الأسد، وإن كان الأمر شديد التعقيد فيما يخص المسألة السورية.

في الجزئية الأولى المرتبطة بحراك “الربيع العربي” ومشروعية نظم الحكم، الحقيقة أن الأنظمة الملكية في الخليج استفادت من حالة المقارنة التي صدرتها لشعوبها حول المكتسبات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي وفرتها لهم أنظمتها، وبين تردي الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للدول العربية ذات الطابع الجمهوري من قبل حتى مرحلة “الربيع العربي”.

الجزئية الثانية، هي تلك المرتبطة بصعود الإخوان والمشاركة في السلطة أو الهيمنة عليها بعد “الربيع العربي” مباشرة. فباستثناء قطر، رأت دول الخليج، وفي مقدمته السعودية والإمارات، أن صعود الإخوان يمثل خطرا استراتيجيا حقيقيا على مشروعية أنظمتها. فالسعودية اعتبرت جماعة الإخوان المسلمين التي تصدرت “الربيع العربي” منذ البداية مشروعا مضادا يحمل في باطنه عوامل هدم لمشروعية النظام السعودي الذي يتكئ بشكل أساسي على مشروعية دينية عززتها المرجعية السلفية الوهابية.

الواقع أن التحديين اللذين واجها السعودية والخليج في المد القومي ثم الثورة الإيرانية، كان كلاهما يطرح مسألة البديل والتغيير الجذري لشكل النظام ومشروعيته. ومن هنا، كان يتحدد الخصم الاستراتيجي ويتحدد أيضا كيف يمكن أن توظف وتستخدم مجموعات مناوئة له. في الحالة الأولى، كان المد القومي الذي تصدره نظام جمال عبدالناصر، الذي كان يهدف إلى خلق نظام سياسي جديد مؤسس على “وحدة قومية”. وبالتالي، كان هذا يمثل خطا مضادا لأنظمة “ملكية” تستند على أبعاد دينية وعشائرية في حكمها لبلدانها، كما يمثل سياسيا ضربا لنمط التحالفات القائم حينها، وما يستتبعه من توازنات قوى ومصالح سياسية واقتصادية بالمنطقة يصعب التنازل عنها.

على المستوى نفسه، مثلت الثورة الإيرانية خطرا على الأنظمة الحاكمة في الخليج لأسباب مختلفة؛ ما بين حمل مشروعية مضادة والنظر إليها من قبل الأنظمة الخليجية كـ”مشروع هيمنة على المنطقة، يتبنى صراحة مبدأ “تصدير الثورة” لتغيير النظم الحاكمة في المنطقة، والتدخل في التوظيف بأدوات دينية وأمنية لهز استقرار المنطقة عموما والخليج بشكل خاص.

كان التحالف الجديد الذي قاد ضلعاه: تركيا وقطر ومعهما حكومات تستند لدعم إخواني بمثابة تهديد مماثل وشبيه للتحدي الناصري القومي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، والتحدي الإيراني، وهو الأمر الذي تمت مجابهته من قبل السعودية والإمارات ومن ورائهما الخليج.

خلاصة من بحث أحمد عبدالحميد حسين “مستقبل الإخوان المسلين في الخليج”، ضمن الكتاب 100 (أبريل 2015) “الفرص والتحديات في دول الخليج العربي” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13