الإخوان والمجهول

الاثنين 2014/03/10

ليس هذا عنوان فيلم سوف تعرضه السينما المصرية قريبا، لكنه دلالة على سلسلة من الحماقات أصرّ أصحابها على ارتكابها وإعادة تكرارها بحذافيرها. فعندما تحدَّت جماعة الإخوان الشعب المصري ورفضت الاستجابة لمطلبه بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، قيل إنها تتحدى إرادة الملايين التي خرجت في الشوارع، ومن ثم عليها مواجهة العواقب، وعندما صمّمت الجماعة على تسيير المظاهرات والقيام بأعمال عنف ومساندة الإرهاب، قيل إن الجماعة تنتحر ببطء، لكن عندما تتساقط عليها مجموعة من المصائب الداخلية والخارجية، فهي فعلا دخلت نفقا مجهولا، لأنها رفضت الاستماع إلى صوت العقل، وقبلت العمل لتنفيذ أجندات آخرين.

مصريا، فشلت كل المخططات التخريبية للجماعة في زحزحة برنامج خريطة الطريق عن مساره، ولم تفلح في كسب ود الشارع بل انقلب عليها بصورة درامية، وأصبح خط الدفاع الأول لحماية السلطات الرسمية، وأخفقت جميع سيناريوهات إشاعة الفوضى في الوصول إلى الحد الأدنى من الانفلات، وبدت محاولات إثارة الرعب في أوساط المواطنين غير مجدية، وحتى من نزلوا معها في خندق ما يسمى بـ”تحالف دعم الشرعية” بدأوا في التسرب للهروب من الورطة.

وكانت النتيجة، قيادات في السجن مصممة على الاستمرار في عالمها الافتراضي، وأخرى تراودها أحلام اليقظة في العودة إلى السلطة، وشباب مشتت فقد التمييز بين الحقيقة والوهم، وجمهور محدود من البسطاء أصابه اليأس ولم يعد يملك ثقة في الجماعة، وقد أدت هذه المعطيات إلى خسارة أي بريق أمل للانخراط في العملية السياسية، وأصبح المجهول واقعا ينتظرها.

إذا كانت قيادات الجماعة خسرت تدريجيا رهانها على مساندة الشارع المصري لها، فإنها تمسكت بخيوط الأمل في قوى إقليمية ودولية، ظلت تؤيدها في العلن على استحياء، وتدعمها بتبجح في الخفاء، ورفض الإخوان تصديق أن الدول لا يمكن أن ترهن مصالحها بجماعة فقدت بوصلتها السياسية، حيث ظهرت مؤشرات على حدوث تغيرات لافتة في مواقف دول مختلفة، كانت قريبة وربما مؤيدة للجماعة.

فالولايات المتحدة مثلا عندما تأكدت من سقوط حلفائها في مصر، حاولت إمساك العصا من المنتصف، ولم تتماد في الدخول في عداء السلطات المصرية الحاكمة، وإيران تدير علاقاتها بدرجة عالية من البراغماتية، لذلك حرصت على تحاشي وصول خلافها مع القاهرة، بسبب الإخوان، إلى عداء مفتوح. والمشكلة أن تركيا رجب طيب أدروغان بدأت تواجه مأزق الفساد الاقتصادي والترنح السياسي والتململ الشعبي، ما أجبرها على تحجيم اندفاعها وراء الإخوان، والتفرغ لإبعاد شبح مواجهة المصير نفسه، وبدت الجماعة محبطة من التخبط الذي يعيشه المقربون منها، وأضحى المجهول يسطع فوق طرق الحلفاء والأصدقاء.

الطامة المؤثرة جاءت من رحم سحب السعودية والإمارات والبحرين لسفرائها من الدوحة، بسبب تدخلات الأخيرة السافرة في شؤونها، ولم يكن الإخوان غائبين عن هذا المشهد، لأن هذا التصرف عزز الموقف المصري الرافض لسياسات قطر الداعمة للإخوان في مصر، وأصبحت الدوحة في مفترق طرق، إما أن تستجيب لإرادة الدول الثلاث وتكف عن تدخلاتها، ومن بينها الكف عن مساندة الإخوان وفلولهم، وتحافظ على مصالحها في مجلس التعاون الخليجي، أو تواصل ممارسات انتهاك سيادة بعض الدول العربية، وتتحمل تكاليف هذه السياسة.

في الحالتين سيكون مصير الإخوان مجهولا، فإذا انحازت الدوحة لخيار المصالح المشتركة تكبدت الجماعة خسائر باهظة، لأن هذا التوجه سيحمل في مساراته الرئيسية رفع الغطاء عن الإخوان، أما لو صممت على موقفها وتمادت في تدخلاتها ولم تنصع لصوت الحكمة، فإن الإخوان سيتحولون إلى وقود في أية معركة قطرية، وسيواجهون أيضا مصيرا مجهولا.

الجزء الأخير في النتيجة السابقة ظهرت مفرداته مبكرا، مع القرار الذي اتخذته السعودية الجمعة الماضي بإدراج الإخوان ضمن المنظمات الإرهابية في المملكة، ورغم دوره في دعم القرار المصري الذي صدر قبل نحو شهرين في السياق ذاته، إلا أنه يكشف عن حجم المأزق الذي تواجهه الجماعة في السعودية، وبالطبع يمكن أن تكرّ السبحة حبات (دول) أخرى، من زاوية عدم استبعاد اتخاذ الموقف نفسه، فقرار القاهرة كان قد خاطب الدول الأعضاء في الجامعة العربية بسلوك المنحى المصري من الإخوان. من هنا سوف تواجه الجماعة مصيرا غامضا، فقرار الرياض نقلة نوعية في معركتها مع الحركات المتشددة، وإدراج الإخوان ضمن هذا التصنيف، ينطوي على إشارة خطيرة لدول لا تزال تثق فيهم، الأمر الذي يمكن أن يفرض عليهم في المراجعة والتخلي عن سياسة التهاون مع الإخوان.

المستقبل الغامض الذي ينتظر الإخوان لم يعد عنوانا جذابا للتشفي، لكنه تحول في الوقت الراهن إلى حقيقة، تؤكدها شواهد كثيرة، رآها ولمسها مبكرا كل ذي عينين فاحصتين. فالسياسات التي انتهجتها الجماعة، في الحكم وما بعده، تقول إنها تنتحر بالسم، ولم تحاول قيادتها إعادة النظر في الممارسات الخاطئة، بل كان لديها إصرار عجيب على تكرار الأخطاء، لذلك من الطبيعي أن تدخل نفقا مجهولا.


كاتب مصري

9