الإخوان والمظلات المفقودة

الجمعة 2014/03/21

انطلق الإسلام السياسي الحديث في بدايات القرن العشرين من حدث سقوط الدولة العثمانية. سقطت السلطنة، فسقطت الخلافة، فكان لابد من اعتراض طبيعي للعودة إلى الخلافة كأساس للدولة. جاء حسن البنا (وعديدٌ من الحركات الإسلامية الأخرى) بالنصوص التي تنتصرُ للخلافة وتبشّر بعودتها في عصر الدولة- الأمة، تلك “التقليعة” التي اجتاحت العالم غربا وجاءت تُقحم أنفها في ديارنا.

تولى الفتكُ بالجسد العثماني الكبير، رفعَ الحدود داخل ما كان مفترضا أن يكون دولة إسلامية واحدة. تحوّل الكيان الميثولوجي إلى كيانات تنتعشُ بالاستقلال عن تاريخ العلاقة مع السلطنة أولا، ثم عن القوى الغربية التي قسّمت التركة العثمانية بعد ذلك. بكى الإسلاميون على دولة الخلافة، ونشد “العروبيون” دولتهم العربية الكبرى التي اخترعوها نصوصا وأفكارا وبعض أحلام.

وإذا ما كانت التياراتُ الإسلامية المترجّلة بعد زوال السلطنة، قد رامت تمتين الدعوة والحفاظ على الإسلام دينا ومنهجا وفقها وطريقة عيش، فإن جماعة الإخوان المسلمين نشطت من أجل السلطة مع ما يواكب ذلك المسعى من عُدّةٍ ولوازمَ موضوعية وانتهازية. وفق ذلك اصطدمت الجماعة حكماً مع التشكّلات السياسية الأخرى. في الأمر منطقٌ طبيعي، ذلك أن الدعويّين يتعايشون مع واقع الأمر الميداني من أجل ما يُعتبر سامياً خارج سياق الراهن، فيما الجماعة السياسية تناكفُ الجماعات السياسية الأخرى وتنافسها، كما تصطدم بالسلطة وتداريها وتنافقها تبعاً لبراغماتية تقترب من الميكيافيلية.

وبغضّ النظر عن النقاش العقيم حول قصة انطلاق الإخوان وعلاقة ذلك بقوى خارجية، فإن جماعة حسن البنا وامتداداتها التاريخية اقترحت لنفسها “وظيفة”، كان منطقيا أن تصبّ لمصلحة أطرافٍ خارجية، حتى لو لم تقصد الجماعة ذلك، وكان منطقيا أن تستفيدَ (الجماعة) من عون خارجي، حتى لو كانت، جدلا، مضطرة لذلك.

ولسنا في هذه العجالة لنغامر في محاكمة نوايا الإخوان، بقدر إظهار حقيقة تاريخية مفادها أن الجماعة بتخندقها داخل “وظيفة” تبنّتها صارت أداةً تتحكمُ بها قوى الخارج، فيما تستقوي هي بتلك القوى رافداً لحراكها ومبررا لديمومتها.

في ما صدر حديثا من أدبيات عن تاريخ الإخوان المسلمين، يُفرجُ عن كمٍّ كبير من الحقائق والمعلومات حول علاقة القيادات الإخوانية مع العواصم الكبرى، في لندن وباريس وبرلين ومؤخراً واشنطن. كان الغربُ حريصاً على مدِّ الحركات الإسلامية عامة، والإخوان المسلمين خاصة، بالدعم والتواصل. كانت للغرب مصالح في التصدي للدول القومية واليسارية الصاعدة في المنطقة، والتي يتكئ منطقها على سياقٍ يبتعدُ عنها ويندفعُ باتجاه الاقتراب من موسكو واتحادها السوفيتي ومعسكرها الاشتراكي.

ربما أن تلك العلاقة الملتبسة بين الإخوان والغرب، سهّلت للحكم المصري الناصري الإطاحة بالجماعة، بما في ذلك اضطهادهم وملاحقتهم وإعدام أبرز قادتهم (سيّد قطب)، ذلك أن الخطاب الناصري اعتبر الخصوم عملاء وخونة ومرتبطين (الآلية نفسها معتمدة حالياً في دول عديدة في المنطقة). على أن رواج الخطاب العروبي اليساري في المنطقة في طبعته الناصرية أو البعثية أو القذافية.. إلخ، أسّسَ لانطلاق هجومٍ مضاد قادته المملكة العربية السعودية، عماده التبشير بالوحدة الإسلامية كوعاء أشمل لاستيعاب الدعوات الوحدوية العروبية. في تناكف ما هو إسلامي وما هو عروبي وجدَ الإخوان ملاذاً لهم ولعقيدتهم في منطقة الخليج عامة والسعودية خاصة.

رافعتان، إقليمية ودولية، تولتا منذ بدايات ظهور الإخوان المسلمين مَحْضَ الجماعة بمظلات مرجعية تحمي ديناميتها أيا كانت أشكال القمع التي صادفتها. رافعةٌ إقليمية قادتها الرياض ورعت من خلالها الحركات الإسلامية في العالم، ونشطت ضمن شروط الحرب الباردة والصدام مع الاتحاد السوفيتي. رافعةٌ دولية قادتها لندن وباريس قبل انتقال القيادة إلى واشنطن، تولّت مدّ شبكات التواصل مع الإسلاميين والإخوان من ضمن استراتيجيات الدفاع عن المنطقة من خطر الشيوعية الداهم.

التقت الرافعتان، الإقليمية والدولية، في أوج شراكتهما في الحرب الأفغانية ضد الاحتلال السوفيتي. خرج العنف الجهادي، بأشكال ومضامين وشخوص ونصوص، ليجتمع ويعمل وفق قواعد صراع الغرب والشرق وشروطه.

انتهى ذلك الزمن، وتبدّلت أمزجةٌ وعهود. لم يعد الجهادُ أداةً من أدوات صراع الغرب ضد المعسكر الشرقي وقيادته في موسكو. صار الجهادُ عدواً للغرب كما للشرق، ولا تفرّق ضرباتُه الحديثة بين نيويورك ولندن وموسكو ومراكش ومدن الصين. باتت موسكو تشكو “الجهادية” عدوا في القوقاز، كما تشكوها واشنطن عدوا في أفغانستان وليبيا واليمن، وحتى في الداخل الأميركي نفسه.

انتهى ذلك الزمن، وتبدّلت أمزجةٌ وعهود. لم تعد منطقةُ الخليج ملجأً متاحاً للإسلام السياسي بكافة أوجهه وطقوسه. بات الصدامُ علنيّا بين دول المنطقة وجماعة الإخوان المسلمين. غدت الجماعةُ منبوذةً مدرجةً عى لوائح الإرهاب، يُجرّمُ مَن ينتسبُ إليها ومن يروّج لحراكها (من المهم تفحّص النصوص القانونية الصادرة حديثا في المنطقة، لاسيما في السعودية، وتلك التي يُعمل على إصدارها). وفي ما عدا قطر، التي تؤكد استثنائيتها (طبيعة المزاج التي تهمين على النظام السياسي الخليجي)، فإن جماعة الإخوان المسلمين خسرت قواعدها الخلفية المفترضة في منطقة الخليج، وبالتالي مظلات النجاة المحتملة في المنطقة.

في سقوط الرافعتين، وفي تقويض تجارب الحكم الإخواني في مصر وتونس (وتداعي الأمر على إخوان البلدان الأخرى)، يفقدُ الإخوان المسلمون وسائل الديمومة ووسائط البقاء.

قد يفقد الإخوان المظلة التركية في ما يعانيه أردوغان وحزبه في تركيا نفسها، كما قد يفقدُ الإخوان المظلة القطرية في جرد النظام السياسي الخليجي من نوازع الحكم في الدوحة، والذي يمكن أن يتطورَ سلباً إلى مستويات القطيعة. بين ليلة وضحاها ينهارُ المعبد الإخواني (تيمناً بعنوان كتاب الدكتور ثروت الخرباوي “سرّ المعبد”) وامتداداته على نحو يشي بخاتمة دراماتيكية مقلقة الأعراض.

يواجهُ الإخوان (في العالم) وضعا فريداً في تاريخهم. بعد تجربة الحكم في مصر (وتونس)، فقدت الجماعة وضعية المعارضة التي كانت تمحضها بمظلومية أبدية. أضاعت الجماعة ترف الوعد والإيحاء أن جنانا ستنمو لو حكمت. في حقبة صغيرة ارتكبت الجماعة خطيئة السلطة، بدا أنها تشبه الخطأ الأخير.

تفقدُ الزعامة الإخوانية ميدانها المصري في سابقةِ إعراض المجتمع، قبل النظام السياسي، عن الجماعة سلوكا وقيادة ومشروعا. ينسحبُ “التسونامي” المصري على حال الإخوان في العالم العربي، بحيث يتضحُ للتنظيم الدولي انهيار مقومات الرفد الإقليمي والدعم الدولي ومظلاته القديمة. قد يجوز في هذا استشراف نهاية حقبة قد يصعب الخروج من تداعياتها.

النقاش الإخواني الداخلي يعترف بأخطاء، وبعضهم يتحدث عن كوارث، وبعض ثالث لا يجد في الأمر إلا نكسة لطالما خبروها على مدى عقود قد يتجاوزونها كما تجاوزوا ما سبقها. لكن متابعين لشؤون الجماعة يجدون أن أمر هذه النكسة، مختلف في الشكل والمضمون على نحو، قد يوحي بنهاية طالما أن النهاية سنّة الحياة.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

8