الإخوان والمعارك الافتراضية

الاثنين 2014/10/06

يبدو أن جماعة الإخوان وأنصارها أدمنوا الحياة في العالم الافتراضي، وسواء كان ذلك هربا من المرارات التي يحملها الواقع، أو عجزا عن مسايرته لضعف في القدرات والإمكانيات، أو حتى بحثا عن ملاذ خيالي يبعث على الاطمئنان، فالحصيلة واحدة، وهي محاولة البحث عن انتصارات زائفة، تضخّ في عروق الجماعة دماء، تمكنها من البقاء على قيد الحياة، ولأن هذه الدماء ملوّثة، فقد أصابتها جملة من الأمراض المستعصية.

لمزيد من التوضيح، أحكي لكم موقفا طريفا وبسيطا، غير أنه يلخص جانبا مهما من أزمة الإخوان الراهنة، فمنذ أيام ساقتني الظروف لركوب سيارة تاكسي في القاهرة مع سائق بدا من كلامه أنه ينتمي للإخوان ومتعصب لها، فبادرني بسؤال “عاجبك ما تفعله هبة السيسي”، قلت له من هذه، وماذا فعلت؟ قال بنت الرئيس عبدالفتاح السيسي، رأيتها بالأمس على “اليوتيوب” ترقص وتغني وترتدي فستانا غير محتشم، قلت له كيف يا رجل؟ ثم أوضحت له أن الرئيس السيسي لديه أربعة أبناء (ثلاثة صبيان، مصطفى ومحمود وحسن) والبنت الوحيدة اسمها “آية” وتعمل في جهاز محترم.

قال الرجل- السائق، أنت لا تعرف شيئا، فقد قام زملاء لنا في الجماعة، بـ”تشيير” الفيديو على مواقع مختلفة على شبكة الإنترنت، حتى يعرف الناس الحقيقة، وقتها شعرت بأن النقاش لن يكون مجديا، فأسعفني الحظ، أن أنقر على “غوغل” من هاتفي المحمول، وكتبت هبة السيسي، فقفزت أمامي صور وفيديوهات عدة، وعندما شاهد إحداها أشار بإصبعه قائلا: إنها هذه المجرمة، وأخذ “يحوقل ويستغفر”، فأدركت من يقصد، قلت له هذه هبة السيسي الممثلة التي ظهرت في فيلم “كتكوت” مع الفنان محمد سعد، وملكة جمال مصر، وموديل إعلانات، ومن الطبيعي أن ترقص وتغني وترتدي ما تريد من الملابس الساخنة، فاكفهر وجهه، ولم ينطق بكلمة، حتى وصلت المكان الذي أقصده.

الموقف السابق، ذكرني بفيديو قصير ومبتور، راج مؤخرا وتحول إلى مادة خصبة لدى البعض، وحسبت القنوات الفضائية التابعة للإخوان أنها وجدت فيه ضالتها، وفيه تحدث الرئيس السيسي أمام الإعلاميين المصريين في رحلته الأخيرة إلى نيويورك، عن تطورات سياسية كثيرة، وكان وقتها انتشر تطاول الرئيس التركي رجب أردوغان على مصر في الأمم المتحدة، وأصبح حديثا شيقا في بعض الأوساط الإخوانية، وضرب الرئيس مثلا شخصيا عندما كان طفلا، مفاده أنك لا تدخل مواجهة وأنت غير مستعد لها جيّدا، في إشارة إلى أن مصر مشغولة ببناء مستقبلها حاليا، وليس لديها وقت للدخول في معارك جانبية “تافهة”.

هذا هو المعنى الذي يفهمه أي عاقل، لكن ما حدث أن هذا الجزء من الحوار، جرى اقتطاعه من سياقه الطبيعي، وبدا كأن الرئيس المصري يعترف بقوة تركيا وضعف مصر، وأنها عاجزة عن الرد على أكاذيب أردوغان، وهو ما منح كلام الرئيس التركي رونقا وجاذبية، عند الإخوان، وأظهروا حديث السيسي “ضعيفا”، الأمر الذي يتمنى أنصار الإخوان أن يرونه فى الواقع، بعد أن قهرهم نجاح الرئيس المصري في نيويورك، حيث كان أداؤه السياسي رفيعا، وأجبر الكثير من دول العالم على احترامه، عندما تحدثوا معه عن قرب، ووصلت إليهم المعلومات الصحيحة والحقيقية من مصادرها، وليس عن طريق البيانات الخيالية، أو التي تريد جماعة الإخوان حدوثها وتوصيلها.

الحاصل أن النموذجين اللذين أشرتُ إليهما آنفا، غيض من فيض من المعلومات المغلوطة والمشوّهة تحفل بها كثير من مواقع التواصل الاجتماعي، ويتم الترويج لها على أنها مواقف ثابتة وقعت فعلا، أضف إلى ذلك سلسلة طويلة من الأحداث المختلقة، فأحدهم أقسم بأغلظ الإيمان أن المشير عبدالفتاح السيسي، لقي “مصرعه” عندما كان وزيرا للدفاع، وأن من يظهر أمام الناس والشاشات هو “دوبلير”، وقد تلقف ذلك موتورون وحالمون ومن لا يريدون الاعتراف بالواقع وتعقيداته، وقاموا بتسويق الكلام الافتراضي على أنه معلومات، وعندما تم اكتشاف الحقيقة عارية، ظهرت أكاذيب أخرى، أنست أصحابها سابقاتها، وهكذا.

الشاهد أن أنصار الإخوان، أدمنوا العيش في جلباب هذه الحياة، لأنها مريحة لهم، وتعفيهم من تحمل مسؤولية الأخطاء التي ارتكبوها وقيادتهم في حق الناس والمجتمع، وتوفر لهم عيشة هانئة، لا تضطرهم للبحث عن بدائل وسياسات جديدة، وتؤكد أنهم لا زالوا على حق، وأن قيادتهم صائبة، والنصر قريب وآت لا ريب فيه، وكلها تحمل عنوانا واحدا هو: “الاتكال والركون للغيب”، ناهيك عن حزمة من المفردات الأخرى من نوعية الهروب والخيال والعقم والقصور والضحالة الفكرية، والإصرار على عدم مبارحة معارك طواحين الهواء.

لا أدري عندما تنتهي سلسلة الأكاذيب الطويلة والمعفاة من الضرائب، ما هو موقف قيادات الجماعة وأنصارها، وماذا سيقولون للبسطاء والمخدوعين؟ فمعلوم أنك تستطيع خداع بعض الناس بعض الوقت، لكن لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت، وسوف تزداد أزمة الجماعة مع فضائها الافتراضي، بعد أن بدأت الحكومة المصرية تمسك بزمام المبادرة، وتحرص على توصيل المعلومات الصحيحة لمن يهمّهم الأمر، سياسيا وإعلاميا، وأخذت ثمار هذه السياسة تظهر معالمها مع دول غربية متعددة، اكتشفت حجم الخداع والشراك الذي نصبه الإخوان لهم.

النتيجة المنطقية لتزايد حلقات الخناق حول رقبة الجماعة، تقول إن قيادتها ستقوم بمراجعة صارمة للأفكار، ولأن المنطق يفرض عدم الوقوع في مثل هذه الأخطاء، أتوقع أن يواصل الإخوان السياسات الباطلة ذاتها، لأنها إذا أوقفتها سوف يموت عقل الجماعة.


كاتب مصري

9