الإخوان.. وصراع البقاء

الثلاثاء 2013/08/13

إذن، نجحت جماعة الإخوان مرة أخرى في شلّ حركة الدولة المصرية، وفي دفعها إلى حالة من الارتباك والتخبط لم تعهدها من قبل، إلا وهي تحت حكم الإخوان أنفسهم. حققت الجماعة ما تصبو إليه عبر اعتصاماتها ومظاهراتها في ميادين القاهرة. أما ما تريد الجماعة، فهو مد التفاوض لأطول فترة ممكنة، تعمل خلالها لجانها الإعلامية وبعثاتها إلى أوروبا والولايات المتحدة على تصوير ما حدث في 30 يونيو على أنه انقسام شعبي إلى فريقين؛ فريق مؤيد «للشرعية» التي يمثلها رئيسهم المعزول محمد مرسي، وفريق آخر لا تتعدى اعتراضاته حيز غياب التوفيق عن هذا الرئيس في إدارة بعض شؤون البلاد.

الوسيلة الثانية التي لجأت الجماعة إليها، كانت التعويل على الممثلين الدوليين الذين قاموا بزيارة مصر الأسبوعين الماضيين للوساطة بين «الفريقين». كانت الجماعة تدرك، عندما اندلعت الموجة الثانية من الثورة في 30 يونيو، أن لديها رصيد دولي عند بعض القوى الدولية المؤثرة التي لها مصلحة في بقاء الإخوان في السلطة، يمكن اللجوء إليه في حالة ما إذا تفاقمت الأزمة، واضطرت الجماعة مع ذلك إلى إقالة الحكومة، أو أجبرت على تعيين نائب للرئيس أو رئيس لهذه الحكومة من داخل التيار المدني. كان التصور يقوم في تلك الحالة على اللجوء إلى هذه الأطراف الدولية لتحجيم دور الجيش ومنعه من التدخل، في حالة ما إذا حدث نوع من التقارب بين نائب الرئيس المدني أو رئيس الحكومة المفترض من جهة، وقيادات الجيش من جهة أخرى. لكن الرياح أتت عكس ما تشتهي سفن الجماعة، التي لم تكن تتصور أن الشعب المصري هو من سوف يقرر الإطاحة بالرئيس قبل مجلس الشورى أو الحكومة. من المؤكد أن الإخوان فشلوا في إدارة دفة الحكم في مصر، لكن هذا لا ينفي عنهم المهارة الفائقة التي يتمتعون بها في فنون الابتزاز السياسي، وفي إجادة كل أشكال الضغط على الأنظمة، لتحقيق مصالحهم، هذه هي الطريقة التي تدار بها الأمور الآن في مصر. فقد نجح الإخوان في فرض طريقتهم الخاصة على الواقع السياسي، من خلال استخدام الوفود الدولية التي لا شك أن جميعها جاء بحثا عن صيغة يحاول من خلالها الحفاظ على مصالحه.

هذه الطريقة تعتمد بالأساس على استخدام تلك الوفود الرسمية، وزياراتها المتكررة إلى قيادات الإخوان داخل محبسهم، في تصدير انطباع لدى الرأي العام العالمي بأن ما يجري هو محاولة تدخل من قبل الأسرة الدولية في مصر للوصول إلى صيغة تفاهم بين «طرفين» متناحرين، يحظى كلاهما بنفس القدر من الدعم الشعبي. الحكومة المصرية بدورها تقدم جميع التسهيلات والمساعدات التي من الممكن أن تعين الإخوان على إنجاز مهمتهم. فالضعف الذي تبدو عليه، في الوقت الذي تزداد فيه حدة التصريحات الصادرة من منصة ميدان «رابعة العدوية»، توحي بأن الارتباك داخل أروقة النظام الجديد وصل إلى مداه. ورغم تصريحات الرئاسة المصرية الأخيرة التي تتحدث عن انتهاء مهلة المفاوضات مع الإخوان، يتردد أن نائب الرئيس محمد البرادعي يرفض استخدام القوة في فض اعتصام الجماعة، في حين يميل غالبية أعضاء الحكومة والرئاسة إلى اللجوء إليه.

من الطبيعي أنه عندما يجري الحديث عن انقسام بين صفوف القوى المدنية المصرية وهي تمثل المعارضة، فهذا أمر اعتاد الشعب المصري عليه منذ ما قبل ثورة 1952 وحتى سقوط مرسي، لكن عندما يكون الحديث عن هذا الانقسام، بينما القوى المدنية هي من يعتلي السلطة لأول مرة، يمكننا التنبؤ بأن الفترة الانتقالية التي تديرها هذه القوى المدنية لن تختلف في الفشل عن سابقتها تحت حكم المجلس العسكري.

أما الجيش، فعلى ما يبدو أن ما أصاب القوى المدنية قد أصابه هو الآخر. لا أتحدث هنا عن انقسام داخل الجيش، فالقوات المسلحة المصرية تظل بعيدة كل البعد عن مثل هذه الأمور، لأن عقيدتها تقوم على الولاء لمصر وحدها. لكنني أتحدث عن رضوخ الجيش للقواعد التي وضعها الإخوان للعب على الساحة السياسية المصرية.

الاتهامات المتكررة التي تلقيها الجماعة دائما في وجه قيادة الجيش، وتسويقها المستمر لفكرة أن الجيش المصري ينحاز «لنصف الشعب» على حساب النصف الآخر، ساهمت بقدر ما في ظهور الجيش بمظهر المحايد الذي يحاول أن يسبغه على نفسه الآن، وفي قصر اهتمامه فقط على الجانب الأمني للأزمة والتهديدات التي تتعلق بسلامة البلاد وأمنها القومي. إضافة إلى ذلك حرص الجيش على دفع تهمة الانقلاب على سلطة منتخبة عن نفسه، ومحاولاته وضع الأمر في قالبه المدني الطبيعي.

أدت كل هذه العوامل إلى التأخير المفرط في التعامل مع اعتصامات الإخوان والشلل المجتمعي الذي تسببت فيه، منذ أن وافق الشعب المصري على منح الجيش التفويض الذي طلبه للتعامل معها، وتسببت كذلك في تمكن واشنطن من كسب أرض جديدة في معركتها لإطالة أمد الأزمة في مصر، لاعتقادها أنه كلما طال أمد هذه الأزمة، كلما تعددت الفرص لحليفها الأهم في المنطقة في البقاء على قيد الحياة.

9