الإخوان و"فرقعة" الجنائية الدولية

الثلاثاء 2014/01/07

لم تترك جماعة الإخوان المسلمين حيلة سياسية إلا واستخدمتها للنيل من السلطات المصرية، وطرقت جميع الأبواب المسلحة لإحراج أجهزة الأمن، ووظفت كل النوافذ الاقتصادية والاجتماعية، بهدف إيهام الناس أنها رقم مهم في المعادلة الحالية من الصعوبة تجاهله. وفي الوقت الذي تأكد فيه المواطنون من فشلها في الاقتراب من أغراضها، المعلنة والخفية، شهرت إعلاميا سلاح المحكمة الجنائية الدولية، وأقامت الدنيا ولم تقعدها، وكأنها تملك أدوات كافية لإدانة أحد أعضاء الحكومة أو أي من الإعلاميين في مصر، الذين تعتقد أن لهم دورا في ما تصفه حتى الآن بـ”الإنقلاب العسكري”، أو تزعم أنهم تسببوا في وقوع ضحايا من الإخوان.

الجماعة جهزت نفسها لتفعيل الورقة الوهمية خلال الأيام المقبلة، بعد أن استنزفت جزءا كبيرا من قدراتها المادية، في الداخل والخارج، دون طائل، وقام الاثنين فريق الدفاع الدولي الذي عينه حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية للإخوان) بعقد مؤتمر صحفي في فندق “كافنديش” بوسط لندن، للرد على الاستفسارات الخاصة بالإجراءات التي اتخذها الإخوان ردا على عزل الرئيس السابق محمد مرسي، ويضم الفريق 170 قانونيا، برئاسة المحامي الطيب علي الباكستاني الأصل، واللورد ماكدونالد مدير الادعاء العام السابق في بريطانيا، والمحامي مايكل مانسفيلد مستشار الملكة، وريتشارد فالك المبعوث السابق لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة. ويرمي الفريق الضخم إلى تسويق أن هناك قضية دولية، يمكن أن ينشغل بها العالم، وتتحول إلى مادة دسمة لتكهنات وتخمينات مختلفة، تحدث مردودا معنويا على الأقل، يستثمر التعاطف النسبي مع الإخوان، من قبل قطاع غير هين من الرأي العام الغربي.

القضية المزعومة مليئة بالثغرات القانونية التي تبطلها، أو تجعل من الصعوبة الوصول إلى غاياتها، ومع ذلك تبدو الجماعة مصممة على المشي في هذا الطريق، وحسب رأي خبراء في القانون الدولي، ثمة جملة من العقبات الجوهرية، سوف تقف حائلا أمام استكمال المشوار. في مقدمتها، أن مصر لم توقع على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي لا يمكن مقاضاتها بصورة تقليدية. الأمر الذي يفرض قيام إحدى الدول الموقعة (قطر أو تركيا مثلا) باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي، الذي يقوم بدوره بإصدار قرار بتكليف المحكمة بالبحث في القضية، كما حدث مع الرئيس السوداني عمر البشير. لكن في حالة مصر، المسألة أشد صعوبة لسببين أساسيين. الأول، علاقات القاهرة بعدد من القوى الكبرى صاحبة حق الاعتراض (فيتو) في مجلس الأمن، روسيا والصين تحديدا، ما يمثل حائط سد ضد إمكانية تحقيق أي اختراق لهذا الجدار. والثاني، عمل المحكمة الجنائية يتعلق أصلا بوقوع مجازر وإبادة جماعية وجرائم الحرب عموما، وهي تحدث غالبا في مناطق التوترات والحروب الأهلية، (دارفور، رواندا، بورندي، أوغندا، كينيا) ومصر بالطبع بعيدة تماما عن هذه المرحلة.

الواقع أن جماعة الإخوان، تسعى إلى استثمار الضجة التي يمكن أن تصاحب مجرد الكلام عن استهداف مسؤولين مصريين، كدليل على أن الأوضاع سيئة، وأن عناصرها “يقتلون عمدا”، للتغطية على أعمال العنف والإرهاب التي تقوم بها الجماعة وحلفاؤها من المتشددين، ورفع يدها عن الضحايا من ضباط وأفراد الجيش والشرطة وبعض المدنيين. ولأنها تعرف جيدا أن فضاء المحكمة مليء بالأشواك القانونية والسياسية، لجأت إلى محاولة اصطياد مسؤولين وإعلاميين فرديا، وجهزت ملفات متعددة لقضايا تخص أسماء محددة، يمكن توقيفهم في بعض الدول و”إذلالهم” مؤقتا، إلى حين تثبت براءتهم. وهي عملية ستستغرق وقتا، لذلك يمكن استغلالها، من خلال الضجة المتوقع أن تثار، كعلامة على صحة موقف الإخوان، وأن الجماعة تسلك طرقا قانونية، عكس ما يتردد في الداخل أنها فوضوية، مستفيدة من نجاحها وجاهزيتها في التعامل مع وسائل الإعلام الغربية، مقابل إخفاق ظاهر في القيام بالدور ذاته من جانب السلطات الرسمية في مصر.

مشكلة الجماعة أنها بنت حساباتها على قواعد دعائية، وبالغت في الفرقعة الإعلامية، وتصوير اللجوء إلى المحكمة الجنائية على أنه الضربة القاضية، وهكذا سخرت أبواقها في مصر وخارجها، وتجاهلت عناصر محورية، يمكن أن تقلب الدفة عليها، منها القرار الذي اتخذته الحكومة المصرية مؤخرا بأن الإخوان جماعة إرهابية، والذي جرى تعميمه على الدول، ليتخذ بعضها (الدول الصديقة على الأقل) الإجراءات العملية لتطبيق هذا القرار، ومن ثم ستضع المحكمة الجنائية نفسها في موقع الدفاع عن إرهابيين، إذا قبلت الدعوى الجنائية بأي وسيلة. كما أن بعض المنظمات الحقوقية في مصر تملك مجموعة من الوثائق والمستندات التي تعزز القرار السابق، وحصلت على اعترافات متهمين ينتمون إلى الإخوان أو محسوبين عليهم، أكدوا خلالها تورطهم في أعمال إرهابية ومخابراتية. وهي عوامل، بدأت القاهرة في ترويجها، بعد أن حولت سياستها من الدفاع إلى الهجوم، وأسندت هذه المهمة إلى إحدى وكالات العلاقات العامة الدولية.

حرص جماعة الإخوان على نقل المعركة من داخل مصر إلى خارجها، تزايد عندما تأكدت أنها خسرت معركتها، السياسية والأمنية، في الداخل. فتارة تلجأ إلى جس النبض حول تشكيل حكومة في المنفى وتفشل، وأخرى تعلن عن تكوين ما يسمى “التجمع المصري”، كمحاولة لـ”الشوشرة”، وأن الأوضاع في مصر لا تقل عن سوريا الآن والعراق أيام صدام. بهدف جذب قدر من التعاطف معها وممارسة ضغوط على السلطات الرسمية. وستظل هذه التحركات محشورة في خانة إثارة الضجيج، كلما نجحت الحكومة المصرية في تحقيق قفزات بشأن إنجاز خريطة الطريق. يومها لن يجدي التلويح بسلاح المحكمة الجنائية، ولا حتى السعي إلى فرض عقوبات دولية.


كاتب مصري

8