الإخوان وفقدان البوصلة السياسية

الاثنين 2013/09/23

أحاول في هذا المقال تنحية موقفي السياسي الرافض لفكر جماعة الإخوان المسلمين، وأتحلى بأكبر قدر من الموضوعية التي يتسم بها أي باحث جاد، لأن الموضوع الذي أناقشه هنا يحتاج لدرجة كبيرة من التجرد في التحليل، حتى يتمكن القارئ العربي من الإلمام بجوانب غير واضحة في المشهد المصري، لأن هناك دوائر تتعمد التهويل من تصرفات الإخوان، وأخرى تنحو بقوة تجاه التهوين، وفي الحالتين يضيع جزء معتبر من الصورة.

الناظر لممارسات جماعة الإخوان، منذ ثورة 30 يونيو الماضي وما تلاها من تصرفات وتطورات وتداعيات وانعكاسات، أفضت إلى عزل الرئيس محمد مرسي، يلاحظ على الفور اختفاء الحنكة السياسية التي استمت بها طوال عهد حسني مبارك، وساعدتها على النجاة من أزمات متعددة، لكن منذ بداية المحنة الحالية والجماعة تنتقل من حماقة إلى أخرى، دفعتها في النهاية إلى الصدام مع أجهزة الأمن وخسارة معظم التعاطف الشعبي الذي حظيت به في وقت من الأوقات، حتى بدت كأنها منبوذة سياسيا، لأنها تخلت عن البراغماتية المعروفة عنها، واختارت طرقا غير سياسية لتحقيق أهدافها، أو تقليل خسائرها.

وبدلا من أن تعيد ترتيب أوراقها، وتجتهد لتفوق من هول الصدمة التي واجهتها، وتتعامل مع الواقع الجديد بكل تعقيداته، انزلقت إلى متاهات مختلفة أدت بها إلى الانتحار تقريبا، بعد أن فقدت الهادي والمرشد السياسي، وخسرت «ترموميتر» قياس الحرارة في هذه الأجواء الساخنة.

بالطبع كانت الجماعة تستطيع بسهولة تجاوز أزمتها الراهنة، لو وافقت على إجراء استفتاء على انتخابات رئاسية مبكرة، لكن سوء نواياها أو سوء تقديراتها، أوقعها في المأزق الحالي، ولا تزال هذه الصفة تلاحقها حتى الآن، ولا يمكن إرجاعها إلى حملة الاعتقالات الجنائية التي طالت غالبية قيادات الجماعة، لأن الإخوان تنظيم حديدي محكم يملك تراتيبية في اتخاذ القرار، بمعنى أن هناك عيوبا هيكلية ضربتها وأدت بها إلى التصرف بطريقة تبدو في نظر الكثيرين عشوائية، فجماعة تكاتفت عليها جملة كبيرة من العوامل الداخلية، وخذلتها أو قل لم تساعدها رهاناتها على العوامل الخارجية، وتصر على تجاهل البحث عن حلول سياسية، وتمضي في طريق المناوشات والمشاكسات الصبيانية، وتقلب الأمور وتزيف الحقائق، وتشجع العنف وتدافع عن العمليات الإرهابية، أكيد تملك رؤية ضبابية توقعها في أزمات متتالية.

من يدقق في التحركات التي قامت بها أو تعتزم القيام، يلاحظ أنها لا يمكن أن تصدر عن جماعة لديها ميراث طويل في معترك سياسي هائج، حيث تحول همها وأصبح شغلها الشاغل ابتكار وسائل للتنغيص على حياة المصريين، فقد أعلنت قبل أيام عزمها احتلال مترو الأنفاق، الذي يعد وسيلة أساسية لنقل مئات الآلاف يوميا من المواطنين. وعندما فشلت خطتها روجت لإحداث فوضى في الجامعات، التي بدأت الدراسة فيها هذا الأسبوع، وبالتزامن مع ذلك شجعت المنتمين إليها على تعطيل سياراتهم في عرض الطريق لوقف حركة المرور، تحت شعار «عطل عربيتك»، كما تنظم مظاهرات متقطعة وفي أماكن متفرقة، هدفها «العكننة» على الناس، ولزيادة الضغوط على كاهل المصريين، شجعت رجال الأعمال المحسوبين عليها ومن بقي متعاطفا معها، على شراء كميات كبيرة من السلع وتخزينها لتعطيش السوق، وبالتالي ارتفاع الأسعار، فتتزايد الانتقادات الشعبية للحكومة، علاوة على عدم صدور إدانة واحدة من الجماعة لأعمال العنف، التي تستهدف البسطاء ورجال الجيش والشرطة في أماكن مختلفة، بل تتسم تعليقات أفرادها بالشماتة كلما لقي جندي أو ضابط مصرعه على يد أحد الإرهابيين المؤيدين للإخوان.

البعض يرجع هذا النوع من التصورات والتصرفات، إلى طبيعة المفاجأة التي أفقدت جماعة الإخوان جانبا من رشدها السياسي، وقادتها إلى حالة انكار واسعة للواقع بكل ملابساته، وفرضت عليها التمسك بأهداب أمل لن يأتي أبدا، وفضلت بناء توجهاتها على بيانات زائفة ضد خصومها، بدلا من الاجتهاد للحصول على معلومات حقيقية، حتى تتمكن من الوصول إلى نتائج عملية، والتخلي عن الاستغراق في المعطيات الخيالية، وهناك من يعتقد أن جماعة الإخوان على العكس قريبة من الواقع، وتقوم بهذه الممارسات عن عمد، اتساقا مع أجندة معدة سلفا، غرضها إحداث إرباك عام في الدولة، ومحاولة إفشال خطوات الحكومة الإصلاحية، من أجل إثارة حنق ونقمة المواطنين عليها، وتصبح أشد بؤسا من الحكومة السابقة، كما أنها ترمي إلى تعطيل خريطة الطريق، التي رسمت معالم المرحلة الانتقالية بدقة، وإدخال البلاد في دوامة من الفوضى الهدامة، قد تجد فيها جماعة الإخوان موطئ قدم، يعفيها من المحاكمة بتهمة الغباء السياسي.

مخطط إرهاق أجهزة الدولة الذي تسعى إليه جماعة الإخوان، تحول إلى هدف استراتيجي للهدم، إذا فشل في الوصول لهدفه التكتيكي وهو الصلح، أي إجبار السلطات الرسمية على التفاوض معها، والتخلي عن الدعوات المتصاعدة لتأكيد لفظها من الساحة السياسية، وإخراجها نهائيا من ملعب المصالحة الوطنية، ففي ظل اتساع نطاق المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن الأزمات الأمنية التي تسببها العمليات الإرهابية، ترى الجماعة أن الحكومة من الممكن أن تضطر للتفاوض معها للتهدئة، وهو ما يمنحها فرصة لتوظيف هذا الحدث المفترض، وهي نتيجة خاطئة لقراءة خاطئة أيضا، لأن الحكومة المصرية تدرك حجم الغضب الشعبي من الإخوان وأي ليونة معهم، بصورة مباشرة أو غيرة مباشرة، تصب في صالحهم، وسيتم توظيفها بأكبر من حجمها الحقيقي، وسوف يظل التخبط يلازم الجماعة طالما استمر رهانها على الخراب، ولم تتعب نفسها لتصويب مساراتها السياسية، لأن ضياع البوصلة سيكون عنصرا مؤثرا لخسارة الحاضر وفقدان الأمل في المستقبل.

_______


* كاتب مصري

9