الإخوان يبحثون عن موطئ قدم في الحراك العراقي بالركوب على أحداثه

الاثنين 2014/06/23
وضع الإخوان المسلمون ممثلين بطارق الهاشمي أيديهم في أيدي الاحتلال الأميركي

حالة من التخبط واجهت جماعة الإخوان، التي لم تستطع توصيف ما يحدث في العراق، فتارة تقول إنّه ثورة وتارة أخرى فتنة، ثم تقول إنّها انتفاضة، ثمّ تعود لتقول إنّها “ثورة” وتحضّ المقاتلين على دخول بغداد. هذا التخبط أو “النفاق”، غير مستغرب من جماعة الإخوان التي تسعى لأن تكسب من أي حراك مكاسب سياسية وهي متمترسة في الصفوف الخلفية، وهي تسعى دائما إلى ركوب الموجة لتكون الرابح الأكبر وذلك باستغلال “ماكينتها” الإعلامية والتنظيمية سواء داخل العراق أو خارجه، وهذا ما تمرست عليه الجماعة من خلال الثورات العربية، وأكّدته التجربة في كل من مصر وتونس خاصّة.

تقوم جماعة الإخوان المسلمين بتسلق الحراك بغض النظر عن توصيفه، ثم تسعى لأن تكون الرابح الأكبر. لكنّها في حالة العراق لا تزال تتخبط، خاصة أنها تعوم على عوم إيران، رغم أنها في الوقت ذاته تريد أن تحشد طائفيا وتظهر نفسها بأنها المخلّصة. وبغض النظر عن ذلك، فقد كشف الإخوان عن أوراقهم وأصبحوا منكشفين أمام الجمهور العربي والإسلامي وحتى الغربي، وهذا ما شهدناه في عواصم كبيرة غيرت من توجهاتها مؤخرا.

وبالعودة إلى ما يحدث في العراق، حيث أظهرت ثلاثة بيانات رسمية صادرة عن جماعة الإخوان المسلمين حول الأحداث المتلاحقة في العراق، تضارب مواقف الجماعة بشكل يوحي باضطرابها وبحثها الفعلي عن موطن الرّكوب على الأحداث. فقد أصدرت الجماعة بيانين رسميين، وصفت في البيان الأول الأحداث التي تشهدها العراق بالفتنة، إلاّ أنها سرعان ما حذفت هذا البيان، ونشرت مكانه بياناً جديداً مقارباً له بعد زيادة عدد الكلمات، في اليوم ذاته، وصفت فيه الأحداث بالانتفاضة الشعبية.

ليس جماعة الإخوان وحدها أصابها هذا الاضطراب في المواقف، إنما جماعات إسلامية أخرى، كانت تتقاطع مع الإخوان المسلمين، في العديد من المواقف، وصفت الهيئة المذكورة في رسالة لها قبل أيام، الأحداث بالثورة الشعبية، معلنة دعمها ومباركتها لها.

وتتابع وكالات الأنباء في هذا الصدد أنّه بحسب مصادر داخل جماعة الإخوان، فإنّ الأزمة السياسية التي يشهدها التنظيم، في ظلّ القبض على مرشده العام محمد بديع، ونوابه، وعدد من أعضاء مكتب الإرشاد (الجهة التنفيذية لإدارة شؤون الجماعة)، ربما أثرت بشكل كبير على مدى التواصل واتخاذ القرارات، وقد أضافت أحدى وكالات الأنباء الإقليمية في الإطار ذاته، أنّه “هناك إصرار على إدارة التنظيم من مصر، دون تدخل من إخوان الخارج، وهو ما يسبب أزمة في التعاطي مع الأحداث”.

تقوم جماعة الإخوان بتسلق الحراك بغض النظر عن توصيفه ثم تسعى لأن تكون الرابح الأكبر بالركوب عليه

وعن البيان الأول، والذي تم نشره بداية الأسبوع الماضي، على الصفحة الرسمية للجماعة على “فيسبوك”، اعتبر ما يجري على أرض العراق “فتنة”، دون الإشارة إلى لفظي “انتفاضة” و”ثورة” وطالب الجميع بإعمال صوت العقل والحكمة وعدم الانجرار وراء دعاوى الفتنة والفرقة.

وتسبب هذا البيان في حالة من اللغط بين شباب الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبروه غير ممثل لهم، إلا أن هذا البيان تم حذفه من الصفحة الرسمية للجماعة، بعد قرابة 4 ساعات من نشره، وقال عنه القيادي في الجماعة إنهم لا يعرفون من أصدره. أما البيان الثاني، والذي تم نشره على الموقع الرسمي للجماعة، عقب حذف البيان الأول، وصف ما يجري بأنه “انتفاضة شعب يجب أن يتم الاستماع إليه”، وإعمال صوت العقل والحكمة وعدم الانجرار وراء دعاوى الفتنة والفرقة والمذهبية، واتهم البيان أميركا بتخريب العراق، وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة عقب الانسحاب الأميركي على المسارعة بمعالجة توابع ذلك الاحتلال البغيض، ما أدى إلى الفرقة والتناحر بين أبناء الشعب الواحد، مشيراً إلى أن “وحدة العراق هي الواجبة لمواجهة مخاطر التقسيم والتفتيت وفرض المخطط الصهيو-أميركي عليها”.

أما ما تسمى هيئة علماء المسلمين بالعراق، التي لها خطها المختلف عن الإخوان المسلمين، فوجهت يوم 12 يونيو الماضي رسالة إلى من أسمتهم “الثوار” قالت فيها إنّ ما يحدث هو “ثورة شعب” ضد من أذاقوا شعب العراق سوء العذاب، ودعت الهيئة الثوار إلى الوصول إلى بغداد، لأن النظام الحاكم في بغداد، هو “مصدر الظلم والإجرام بحق الشعب، وما لم يتمّ ردع هذا النظام عن غيه فليس من سبل أخرى أمام الثوار لرفع الظلم”. ويعم الاضطراب المناطق الشمالية والغربية للعراق بعد سيطرة تنظيم داعش ومسلحين متحالفين معه على أجزاء واسعة من محافظة نينوى بالكامل، الثلاثاء الماضي، بعد انسحاب قوات الجيش العراقي منها دون مقاومة تاركين كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد، وتكرّر الأمر في مدن أخرى بمحافظة صلاح الدين ومدينة كركوك وقبلها بأشهر في مدن الأنبار.

ويصف رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، نوري المالكي، تلك الجماعات بالإرهابية المتطرفة، فيما تقول شخصيات سنية إن ما يحدث هو ثورة عشائرية سنية ضد سياسات طائفية تنتهجها حكومة المالكي الشيعية.

وتشير وكالة رويترز إلى أن الحكام الإسلاميين الشيعة للعراق تحدوا الدعوات الغربية للتواصل مع المناطق السنية لنزع فتيل انتفاضة في شمال البلاد، وأعلنوا مقاطعة الكتلة السنية السياسية الرئيسية في العراق.

أصدر الإخوان ثلاثة مواقف مختلفة متعلقة بالعراق في يوم واحد وهو ما يدل على عدم فهمهم للواقع

وأوضحت واشنطن أنها تريد من رئيس الوزراء نوري المالكي استيعاب السياسيين السنة كشرط للدعم الأميركي لمحاربة تقدّم خاطف لقوات من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، لكن رئيس الوزراء وهو رئيس حزب الدعوة الإسلامية تحرك في الاتجاه المعاكس وأعلن حملة قمع ضدّ السياسيين والضباط الذين يعتبرهم “خونة”، وانتقد دولا مجاورة اتّهمها بإذكاء أعمال العنف، ولام المالكي السعودية على دعم متشددين في الماضي، لكن اللغة الحادة في البيان لم يسبق لها مثيل، حيث حمّلت الرياض النزعة الطائفية التي تشهدها بغداد، ومسؤولية إذكاء العنف.

فيما يزهو مقاتلو داعش بقتل مئات الجنود الذين استسلموا لهم. ويمقت أغلب أهل المناطق الغربية والموصل مثل هذا العنف، لكنّ فصائل سنية أخرى انضمت للانتفاضة التي يقودها التنظيم، ومنها أعضاء سابقون في حزب البعث الذي كان يحكم العراق، بالإضافة إلى شخصيات قبليّة يجمع بينها الغضب بسبب ما يرونه قمعاً من حكومة المالكي. هذا وقد حثّت دول غربية منها الولايات المتحدة المالكي على التواصل مع المناطق ذات الأغلبية السنية لإعادة بناء الوحدة الوطنية كطريق وحيد لمنع تفكك العراق.


مركز المزماة للدراسات والبحوث بالإمارات العربية المتحدة

13