الإخوان يستعيدون سيرتهم الأولى

السبت 2013/08/17

منطقيا كان من الممكن أن تضع جماعة الإخوان المسلمين في مصر مسألة عزل ابنها محمد مرسي عن الرئاسة ضمن حسابات الربح والخسارة السياسية. حينها سيكون في إمكانها أن تضع في الاعتبار ضرورة حفاظها على قاعدتها الشعبية من جهة ومن جهة أخرى على مستقبلها في الحياة السياسية المصرية.

لقد كان واضحا للقاصي والداني أن عزل مرسي إنما يستند إلى قرار لا رجعة فيه. لا لأن العسكر أرادوا ذلك كما تصور الجماعة لأتباعها ما جرى على أساس كونه انقلابا عسكريا، بل لأن الإرادة الشعبية التي عبّرت عن نفسها من خلال مسيرات الثلاثين من يونيو المليونية قد طوت صفحة الحكم الإخواني بما لا يقبل أي نوع من المراجعة.

كان في إمكان الجماعة الدينية المتشددة أن تكتفي بأقل الخسائر في صراعها السياسي الذي حولته بغباء يبعث على الحيرة إلى حرب مفتوحة ضد إرادة الشعب المصري.

ولكن هل كانت عودة الجماعة إلى الحياة السياسية ممكنة بعد سنة من الحكم أثبتت فيه فشلها في التماهي مع تطلعات الشعب المصري وتفهم رغبته في تطوير وتحسين أداء الدولة المدنية التي سبق المصريون شعوب المنطقة إلى اقامتها؟

كانت للجماعة رؤيتها الخاصة لطبيعة الحكم. وهي رؤية تستند إلى تصور ديني لا مكان فيه لمفهوم دولة المواطنة. وإذا ما كان الإخوان قد أرجأوا في بدء مسيرتهم السياسية العلنية (بعد ثورة يناير 2011) الإعلان عن مشروعهم الديني لأسباب انتخابية، فإن تمكنهم من الحكم قد أزال قناع انتهازيتهم فظهروا على حقيقتهم باعتبارهم رسل الآخرة القادمين من أجل اصلاح شعب فاسد وإعادة أسلمته من خلال أخونته.

لم يكن في إمكان الجماعة أن تفعل إلا ما فعلته خلال سنة حكمها اليتيمة.

كان مسعى أخونة الدولة أهم من البحث عن وسائل ناجعة لتوفير رغيف الخبز للمصريين. أما الحريات فقد كان نطاقها يضيق بشكل لافت وصارت المظاهر الدينية تهدد بذهاب مصر في اتجاه تقسيم شعبها على أساس ديني ما بين مسلم ومسيحي، وعلى أساس الموالاة ما بين متدين وعلماني، وعلى أساس حزبي ما بين إخواني وغير إخواني.

بهذا المنطق الضيق ما كان بإمكان الإخوان أن يديروا حتى أمور حارة صغيرة، فكيف بهم وقد وجدوا أنفسهم يديرون شؤون بلد كبير مثل مصر، عميق في تاريخه الثقافي، متشعب في تكوينه الاجتماعي، معقد في وضعه الاقتصادي، مؤثر في وضعه السياسي.

لقد صُدم المصريون خلال أشهر معدودات من حكم الجماعة التي يعود تاريخها إلى حوالي ثمانية عقود، حين اكتشفوا أن الجماعة التي طالما حلمت بالوصول إلى السلطة لم تكن تمتلك مشروعا سياسيا أو اقتصاديا لإنقاذ مصر وشعبها مما انتهيا إليه بسبب تسلط واستبداد ما يسميه الإخوان بالأنظمة الفاسدة التي حكمت مصر.

لم يكن لدى الجماعة سوى مشروع ديني ينطوي على رغبة أصولية في استبدال ثقافة المصريين المتنوعة في مرجعياتها ورؤاها بثقافة ذات صبغة واحدة، مما يعني في حقيقته تحطيما لجزء أساسي من البنية التاريخية للمجتمع المصري.

كانت صدمة المصريين بما اكتشفوه من حقيقة جماعة الإخوان سببا رئيسيا لعزوفهم عن التعاطف مع الجماعة التي عادت إلى الحديث مرة أخرى عن ديمقراطية كانت قد نسفت قواعدها أثناء سنة حكمها.

ولأن الإخوان قد أدركوا أن عودتهم إلى الحياة السياسية مرة أخرى باتت مستحيلة بعد أن فقدوا تعاطف الشعب المصري معهم فقد بات الرهان على العنف من خلال الاستمرار في تحدي الإرادة الشعبية هو خيارهم الوحيد.

كانوا يحلمون بتسويق شهدائهم من أجل ابتزاز المصريين وإخضاعهم لمنطق القوة. غير أن ما حدث وبسبب عناد الجماعة وإصرارها على الاستمرار في تحدي الإرادة الشعبية قد أعاد إليها صفتها التي التصقت بتاريخها باعتبارها جماعة خارجة عن القانون.

8