الإدارة الأميركية توجه بوصلتها صوب أفريقيا

تحاول الولايات المتحدة الأميركية تدارك السياسة الانعزالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أدت إلى انحسار سياستها الخارجية، بسبب تركيز ترامب على قضايا الشرق الأوسط وتكثيف الجهود لردع الطموح الإيراني والقضاء على التنظيمات المتطرفة بكل من بسوريا والعراق. لذلك تسعى السفيرة الأميركية نيكي هيلي في زيارتها إلى إثيوبيا لمراجعة العلاقة مع القارة في ظل تواصل خطر المجموعات المتطرفة واستهدافهم للقوات الأميركية من جهة وتزايد النفوذ الصيني الخصم الإقليمي لواشنطن من جهة أخرى أمام آمال أفريقية في تواصل أوسع مع الإدارة الأميركية مستقبلا، كما أرادت واشنطن بهذه الزيارة أن توجه رسالة إلى رئيس جنوب السودان سالفا كير ورئيس الكونغو جوزيف كابيلا تفيد بأن حكومتيهما بحاجة إلى التوقف عن عرقلة مهام رجال الإغاثة وقوات حفظ السلام، حيث باتت مهمة السلام بأفريقيا باهظة الثمن بالنسبة إلى واشنطن.
الثلاثاء 2017/10/24
خطط أميركية جديدة للتواصل مع أفريقيا

أديس أبابا – وصلت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي إلى إثيوبيا الاثنين في واحدة من أولى الزيارات التي يقوم بها مبعوث كبير من إدارة الرئيس دونالد ترامب لأفريقيا، حيث يأمل دبلوماسيون أن تلقي الضوء على خططه للتواصل مع القارة.

وفي العادة تطغى قضايا أخرى أكثر إلحاحا على أفريقيا غير أن إدارة ترامب لم تشغل نفسها بأفريقيا حتى الآن.

ووجه ترامب منذ تنصيبه رئيسا على الولايات المتحدة بداية العام الجاري جل اهتماماته بقضايا الشرق الأوسط الساخنة. واتخذ من التصدي للخطر الإيراني وطموح طهران في التوسع أولوية لسياسة بلاده الخارجية. كما أثرت الحرب على الإرهاب والقضاء على تنظيم الدولة في سوريا والعراق على مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في القارة الأفريقية.

وقالت هيلي في معهد جورج دبليو بوش في نيويورك الخميس "سيوفدني الرئيس لأننا نريد بناء سياستنا في أفريقيا مثلما كان عليه الحال في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش. فقد انحسرت سياستنا، وأصدقاؤنا الأفارقة يشعرون بذلك".

فقد كان لترامب صوت عال في قضايا كوريا الشمالية وإيران وتنظيم الدولة الإسلامية خلال الأشهر التسعة الأولى التي قضاها في منصبه لكنه لم يتحدث بشيء يذكر عن أفريقيا، إلى أن استضاف تسعة زعماء إلى الغداء على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي.

وفي ذلك اللقاء أعلن أنه سيوفد هيلي إلى جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية للمساعدة في جهود الوساطة لإحلال السلام في البلدين اللذين نزح الملايين فيهما بسبب العنف المتواصل وحيث تنشر الأمم المتحدة بعثتين لحفظ السلام تتجاوز نفقات كل منهما المليار دولار سنويا.

وكتبت هيلي في مقال رأي نشره موقع سي.إن.إن الأميركي السبت أنها "ستلقي نظرة فاحصة على عمليات الأمم المتحدة".

أزمة النيجر أوضحت أن الإدارة الأميركية لا يمكنها أن تنفض أيديها من أفريقيا حيث مازالت لها قوات على الأرض

نتائج خطيرة

أوضحت هيلي إنها تعتزم مقابلة رئيس جنوب السودان سالفا كير ورئيس الكونغو جوزيف كابيلا “لتوصيل رسالة قوية تفيد أن حكومتيهما بحاجة إلى التوقف عن زيادة الصعوبات التي يواجهها عمل رجال الإغاثة وقوات حفظ السلام".

ويأمل بعض الدبلوماسيين الأفارقة أن تطلق رحلة هيلي حوارا في واشنطن حول تواصل أوسع للإدارة مع القارة.

وقال دبلوماسي أفريقي كبير في الأمم المتحدة خلال تصريحات صحافية “نأمل أن تتداول الإدارة الأمر بعد هذه الرحلة وربما يمكننا أن نسمع شيئا عن استراتيجيتها في أفريقيا قبل نهاية السنة… كنا نتمنى أن يحدث هذا قبل ذلك لكن لم يفت الأوان بعد”.

وتأتي زيارة هيلي لأفريقيا بعد مقتل أربعة جنود أميركيين في كمين بالنيجر في الرابع من أكتوبر الجاري.

وقالت مجلة بوليتيكو الأميركية إن الهجوم الدامي ضد القوات الأميركية في النيجر سلط الضوء على سلسلة من الانتشارات العسكرية الخطيرة التي عادة ما تتلقى اهتماما ضئيلا مقارنة بالمهمات العسكرية الأكبر في العراق وأفغانستان.

وأشارت المجلة إلى خطط قيد التنفيذ لتجهيز المزيد من القوات بما في ذلك 50 مليون دولار طلبها سلاح الجو الأميركي لتشييد مهبط للطائرات في مدينة “أجاديز” شمال النيجر، والتي تعتبر أكثر المناطق المتقلبة في البلاد.

وبحسب المجلة لا يتوقف الأمر على النيجر، حيث توسع تواجد الجيش الأميركي في أماكن أخرى بالمنطقة،. حيث وصل عدد الجنود المنتشرين في الكاميرون المجاورة للنيجر إلى 300 جندي مقارنة بـ285 في ديسمبر 2016، حسب إخطارات أرسلها البيت الأبيض للكونغرس.

وحذر مسؤولون حاليون وسابقون في الجيش الأميركي من أن الفرق بين تقديم المشورة والقتال يتلاشى مع توسع حجم القوات الأميركية وزيادة الدوريات التي ينفذونها في معاقل الإرهابيين بجانب القوات الحليفة لهم في أفريقيا، مؤكدين أن مستوى الخطر الذي يواجه الجنود الأميركيين كان موجودا حتى قبل الكمين الأخير في النيجر.

وقال دبلوماسي أفريقي آخر في الأمم المتحدة “أزمة النيجر أوضحت أن واشنطن لا يمكنها أن تنفض أيديها من أفريقيا". وتابع “عليهم أن يظلوا متواصلين لأن لهم قوات على الأرض”.

وفي ذلك اللقاء مع القادة الأفارقة على الغداء قال ترامب إن “آفاق الأعمال هائلة” وإن له أصدقاء “يحاولون تحقيق ثروة” في أفريقيا. لكنه أشار أيضا إلى خطر التنظيمات المتطرفة مثل الدولة الإسلامية وحركة الشباب وبوكو حرام والقاعدة.

دبلوماسيون ذكروا أن الولايات المتحدة قالت إنها لا تريد أن تمول الأمم المتحدة قوة أفريقية مقترحة لمحاربة التطرف الإسلامي في غرب أفريقيا

وقال “الولايات المتحدة تفخر بالعمل معكم للقضاء على ملاذات الإرهابيين الآمنة”. وأضاف “قال لي عدد منكم إننا كنا نؤدي عملا ممتازا في الأشهر الستة أو السبعة الأخيرة بصفة خاصة”. ومع ذلك ففي يونيو الماضي ذكر دبلوماسيون أن الولايات المتحدة قالت إنها لا تريد أن تمول الأمم المتحدة قوة أفريقية مقترحة لمحاربة التطرف الإسلامي في غرب أفريقيا.

وطالبت فرنسا واشنطن الجمعة بزيادة دعمها للقوة حتى لا تفشل بما يلقي العبء على القوات الفرنسية. وتطالب هيلي بخفض تكاليف مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إذ أن الولايات المتحدة صاحبة المساهمة الأكبر فيها.

وكتبت هيلي السبت “شهدنا في مختلف أنحاء العالم أن المواقف اليائسة يمكن أن تؤدي إلى نتائج خطيرة. ولهذا السبب طلب مني الرئيس دونالد ترامب مؤخرا السفر إلى المنطقة لأحصل على الصورة المباشرة لما يمكن عمله”.

اتجاه غير واضح

بصراحة لا مواربة فيها، لخص الأمير زيد بن رعد الحسين مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التواصل الأميركي على المستوى العالمي بأنه “محصور في موقع ما بين سياسة الانعزال والنهج العسكري دون أي اتجاه واضح في السياسة الخارجية باستثناء بضعة ملفات بارزة استثنائية”.

ومثل كل الإدارات الإقليمية الرئيسية في وزارة الخارجية الأميركية لم يعين حتى الآن دبلوماسي دائم للشؤون الأفريقية. ويدير مكتب الشؤون الأفريقية الدبلوماسي دون ياماموتو بصفته قائما بأعمال مساعد وزير الخارجية.

ورغم أن ياماموتو يتمتع بخبرة في الشؤون الأفريقية يقول دبلوماسيون إن إدارة أي مكتب من مكاتب وزارة الخارجية من خلال قائم بالأعمال يعني أن المسؤولين في الدول الأخرى ينظرون إلى هذا المسؤول على أنه لا يحظى بالدعم الكامل من البيت الأبيض وأن نفوذه محدود في الداخل.

وقال الدبلوماسي الأفريقي الثاني “يبدو أنهم يعولون بشدة على سفرائهم على الأرض وليس لهم نهج يتركز على واشنطن في علاقاتهم بأفريقيا”.

وفي أغسطس الماضي سافر الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر إلى التوغو في غرب أفريقيا لمراجعة اتفاق للتجارة الحرة مع دول جنوب الصحراء الأفريقية لكن المباحثات انتهت دون التوصل إلى قرار.

6