الإدارة الأميركية وسياسة الكيل بمكيالين في منطقة الشرق الأوسط

الاثنين 2014/08/25

لا يحتاج المتابع للشؤون السياسية في منطقة الشرق الأوسط إلى أن يُدرك سياسة الكيل بمكيالين التي تتبعها أميركا خدمة لمصالحها الذاتية في هذا الجزء الساخن من العالم. ومع أنّ هذه السياسة ليست جديدة على الإدارة الأميركية إلاّ أن لعبتها قد انكشفت تماماً حينما اقترب خطر القوات الإرهابية للدولة الإسلامية من مدينة مخمور العراقية التي لا تبعد سوى أربعين كيلومتراً من أربيل، عاصمة إقليم كردستان، حيث تدافَع الخبراء العسكريون الأميركيون بالمئات إلى إقليم كردستان حصراً، وهبت الطائرات الأميركية المقاتلة من قواعدها في الخليج العربي لتشن غاراتها السريعة على أهداف مُنتخبة لقوات الدولة الإسلامية التي فاجأت العالم بضراوتها في القتال، ووحشيتها في التعامل مع العراقيين سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين أم شبك أم إيزديين. فهي تريد من الجميع أن يعودوا أربعة عشر قرناً إلى الوراء مُستنسخة حياة العصور المظلمة التي لا تتلاءم بأيّ شكل من الأشكال مع معطيات الحياة العصرية المتقدمة التي تنعم بها أميركا وأوروبا وبقية بلدان العالم المتحضرة.

منذ أربع سنوات وغالبية الشعب السوري يتعرض إلى إبادة جماعية يقوم بها نظام الرئيس بشّار الأسد، حتى أن ربع الشعب السوري، على أقل تقدير، قد نزح إلى بلدان الجوار وبعضهم وجد طريقه إلى البلدان الأوروبية المانحة لحق اللجوء الإنساني إثر تعرضهم لمجازر وحشية، وهجمات بربرية غير مسبوقة بالبراميل المتفجرة وبالأسلحـــة الكيمياوية، هذا إضافة إلى القصف الجوي المكثف الذي يفاقمـه قصف الدبابات وصواريخ سكود والمدفعية ومختلف أنواع الهاونات.

لم تحرِّك أميركا ساكناً على الرغم من هذه الوحشية المفرطة التي يتعرض لها الشعب السوري أو الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. كما لم يرف جفن للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وهي ترى مدناً سورية تُقوّض على رؤوس ساكنيها وتتحول إلى أكداسٍ مخيفة من الحجارة المتهدمة والأنقاض التي تمزّق نياط القلب.

ومع اعتزازنا بالشعب الكردي بكافّة مكوناته، سواء أكانوا مسلمين أم إيزيديين أم مسيحيين، لكننا ننظر إلى الإنسان نظرة واحدة ولا نستطيع أن نفرّق بين مكونات الشعب العراقي جميعاً. وقد شعرنا بالغبطة والسعادة حينما تم إنقاذ الإيزيديين العالقين في قمة جبل سنجار لكننا نُذكِّر الإدارة الأميركية والأمم المتحدة ونسألهما عن سبب سكوتهما وهم يرون ظاهرة البراميل المتفجرة التي نقلها المالكي إلى المدن العراقية الست المنتفضة، مُمارساً فيها انتقاماً غير مألوف من المدنيين العُزّل الذين لا شأن لهم بالمالكي ولا بقوات “داعش” سابقاً أو قوات الدولة الإسلامية حاليا، فهم أناس مدنيون يريدون العيش بسلام، غير أن الشهوة الانتقامية للمالكي وعجزه الكامل في التعاطي مع الملف الأمني على وجه التحديد هو الذي دفعه إلى هذا التخبط الأرعن والسياسة الهوجاء التي اتبعها في إبادة الشعب العراقي سُنة وشيعة، فحتى المكوّن الذي ينتمي إليه لم يسلم من أذاه وسلوكه الجنوني الذي بلغ مرحلة الهستيريا في الأيام الأخيرة لحكمه المقبور الذي رسّخ الطائفية، وكرّس مبدأ التجزئة والتقسيم الذي سوف يئده العراقيون الشرفاء بإذن الله.

إذا كان الأميركيون ومعهم الغرب الأوروبي يخشون قوات الدولة الإسلامية وهجماتها الوحشية المتواصلة على غربي العراق وكردستان، فهم أنفسهم الذين يهجمون ويحتلون المدن السورية تباعاً إضافة إلى “النُصرة” وغيرها من التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تروّع العالم كل يوم، فلماذا يسكت العالم برمته عن فظائعهم؟ ولماذا يُجن جنون الرئيس باراك أوباما حينما تتجه بوصلة الدولة الإسلامية صوب أربيل؟

لقد أعلنت قوات “الدولة الإسلامية”، “الهمجية”، أنها تستهدف دولاً عديدة في الشرق الأوسط، بل أن الغرب الأوروبي والأميركي قد أعلن عن خشيته من أن يمتد هذا التنظيم الكوني العابر للقارات إلى مضاربهم. فإذا كانت هذه الخشية حقيقية، فلماذا لم تتعاطَ معه القوات الأميركية المتواجدة في القواعد التركية والخليجية قبل أن يعبر الحدود ويضربهم في عقر دارهم، خصوصاً وأن عملية ذبح الصحفي الأميركي جيمس فولي بطريقة وحشية قد أوصلت إلى الحكّام الأميركيين الذين يكيلون بمكيالين، رسالة مفادها أنّ الخطر يهدد الجميع، ويفرض على الإدارة الأميركية أن تقف على مسافة واحدة من خطر الدولة الإسلامية وتتعاطى معه في سوريا والعراق كما تعاطت معه حينما وجّه بوصلته صوب أربيل، أو العاصمة الكردستانية المدللة التي نتمنى من القلب ألاّ يطالها أيّ مكروه.

وفي خاتمة المطاف ينبغي على الإدارة الأميركية أن تنزع قناعها المُرائي وتُظهر وجهها الإنساني الذي لا يفرِّق بين ضحية من غزة وأخرى من دمشق وثالثة من بغداد ورابعة من أربيل، فالكل تسري في عروقهم دماء إنسانية من نوعٍ واحد، ودرجة واحدة، وهتلر ومن لفّ لفه من المجانين، كانوا يعتقدون بأنّ الدماء التي تسري في عروقهم، كانت دماءً ملكية زرقاء كما تُصوِّرها عقولهم المضطربة وأوهامهم الباطلة السوداء.

6