الإدارة المصرية للأزمات بتسجيل النقاط

النظام المصري أجاد اللعب في مباريات داخلية وخارجية بهدوء وحافظ على توازنه في معارك عديدة من خلال سياسة النفس الطويل لأن الكثير من الأزمات لا يصلح معها التعامل بالضربة القاضية.
الجمعة 2021/04/09
الإدارة المصرية لم تتخل عن سياستي الخشونة والمرونة في التعامل مع الأزمات

يعتقد البعض أنّ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حاد عن خطابه السياسي وأصبح صداميا أكثر من اللازم مع خصومه وعليه التصدي لمواجهة مشاكل الدولة الحقيقية في الداخل والخارج بعد انتهاء موسم الخوف من الإخوان وتوابعهم. بينما يرى آخرون أنّ الرجل مرن ويتعامل مع القضايا الحيوية بهدوء وحقق إنجازات تنموية واضحة وواجه تحديات إقليمية ودولية لا تصلح معها حدة أو عصبية.

بين الرؤيتين تدور أفكار كثيرة قد تكون غائبة عن أذهان البعض عندما يحللون التطورات وتتأثر رؤيتهم بانطباعات مختزلة، ما يجعل القراءة سطحية وعابرة لفهم السياسة المصرية، وتخرج المواقف من مسارها الطبيعي وتدخلها سياقات خاطئة، تشي بتجاهل متعمد للأوضاع التي مرت ولا تزال تمر بها البلاد.

بالطبع هناك مطالب لم تتحقق على الصعيد السياسي في مجالي الحريات والهامش الديمقراطي المتاح وتحتاج إصلاحات هيكلية، لكن لا أحد ينكر وجود تطورات على مستويات اقتصادية واجتماعية وأمنية وعسكرية، كما شهدت العلاقات الخارجية تحسنا ملحوظا مع الغرب والشرق حققها التريث الزائد في التعامل مع الأزمات.

مصر تستطيع تحمل التداعيات السلبية لسد النهضة بضع سنوات، لكن إثيوبيا لن تتمكن من الصمود طويلا في المواجهة ومقاومة الضغوط في ظل حزمة كبيرة من الأزمات الداخلية

تريد الإدارة المصرية التأكيد على الوجه المعتدل والمتسامح للدولة والحفاظ على المصالح المتعددة داخل الإقليم وخارجه، وعدم الهروب من مواجهة المشكلات المتجذرة أو التفريط في الحقوق التاريخية، ودخلت في اختبارات قوية ومتعددة، نجحت تدريجيا في تخطي غالبيتها، وتسعى إلى تجاوز ما تبقى منها بلا انفعال.

تمثل أزمة سد النهضة الإثيوبي واحدة من المحكات المهمة للنظام المصري التي يؤثر عليها سلبا الفائض من الانفعال كما أثر عليها الحذر الزائد بعد استنزاف كل الفرص في التفاوض مع إثيوبيا من دون الحصول على الحد الأدنى من النتيجة المرجوة.

دفعت هذه الحالة قطاعا من المواطنين إلى تحميل القيادة السياسية مسؤولية الفشل الراهن، فلا هي نجحت في التعامل الدبلوماسي ولا تريد استخدام الآلة العسكرية.

ظهر التلويح بالخشونة مع تزايد تحذيرات الرئيس السيسي لإثيوبيا من المساس بحصة المياه المصرية، وبصرف النظر عن استخدام عبارة “خط أحمر” أكانت للردع أم للتهديد أم مقدمة لفعل حقيقي، ففي كل الحالات تتريث الإدارة المصرية كثيرا لحسم التوجه نحو الحلول العسكرية وقياس تداعياتها.

عندما أعلنت الدولة جاهزيتها العسكرية وأشارت إليها صراحة في الأزمة الليبية حدثت تغيرات على الأرض، وسواء جاءت كنتيجة للخط الأحمر الذي رسمه السيسي والمعروف بـ”سرت – الجفرة” أم لا، فالتحول التالي له في المشهد الليبي حقق جملة كبيرة من أهداف القاهرة، وفتح الطريق أمام سيناريو مريح لمصر، وفهمت رسالة الردع القوية في حينه على أنها إنذار وشيك بالتدخل المباشر.

تمثل أزمة سد النهضة الإثيوبي واحدة من المحكات المهمة للنظام المصري التي يؤثر عليها سلبا الفائض من الانفعال كما أثر عليها الحذر الزائد

يريد السيسي الوصول إلى النتيجة ذاتها دون أن يطلق رصاصة واحدة على سد إثيوبيا، ففي اللحظة التي تخرج فيها سوف تجهض الصورة التي يعمل على وضعها منذ سنوات، وهي صورة الدولة العفية غير المعتدية، وفي ثنايا خطاباته الصدامية في الأزمة مع إثيوبيا رهان لافت على تدخل المجتمع الدولي لمنع حدوث التصعيد من خلال التوصل لتفاهمات تحافظ على مصالح جميع الأطراف.

من يتابع الأداء السياسي للإدارة المصرية يعلم أنها لا تميل إلى استخدام الضربات القاضية في حل مشكلاتها الداخلية والخارجية، وتسعى لإنهاء كل مباراة عن طريق تسجيل النقاط بالتراكم، فقد كان من الممكن اللجوء إلى التخلص من الإخوان دفعة واحدة وتغليب الحل الأمني وكفى، وتحمل تكاليفه المادية، غير أن المسألة لها جوانب خفية لن تفلح معها الطريقة الأمنية وحدها.

بعد مضي أكثر من سبعة أعوام على بدء مواجهة أجهزة الدولة مع الإخوان، تكاد تكون منابعهم جفّت، فقدوا سلاحهم بما لا يمكّن بقاياهم من العودة إلى ممارسة العنف بقسوة، وتخلت عنهم القاعدة الشعبية التي ساعدتهم على التغلغل في قاع المجتمع، وخسروا نفوذهم الاقتصادي بشكل أفقدهم قوة مؤثرة في السوق المصرية.

لم تتخل الإدارة المصرية عن سياستي الخشونة والمرونة في التعامل مع الأزمات، وإذا تقدمت الأولى يتردد أنها “رعونة”، وإذا تأخرت يُقال إنها “تقاعس” عن الحرب، والحال نفسها عند إبداء المرونة أو فقدانها تطلق توصيفات مختلفة كأن هناك قاموسا يحتكره البعض من الجالسين على المقاهي لتحديد توقيت الحرب والسلام.

تملك مصر مؤسسة عسكرية رشيدة وتملك مفهوما شاملا للقوة، وتعي دروس الماضي جيدا وتتجنب الوقوع في الفخاخ، وامتلكت أنواعا كثيرة من القوة للردع، والهجوم يستخدم في حالتي الاعتداء المباشر والمساس بأي من محددات الأمن القومي، ومن بينها مياه النيل باعتبارها عنصر وجود وتتطلب تهيئة إقليمية ودولية محكمة، وهو ما يفرض المزيد من التريث والقليل من الحدة والاستعجال.

تحولت الأزمة من فنية إلى سياسية، وبدأت القاهرة تتخلى عن ردود الأفعال والاستغراق في التفاصيل الهامشية وأدركت صعوبة التوصل لاتفاق قبل تفكيك مقومات القوة الخارجية التي جعلت إثيوبيا مصرة على تجاهل الثوابت المصرية.

تستطيع مصر تحمل التداعيات السلبية لسد النهضة بضع سنوات، لكن إثيوبيا لن تتمكن من الصمود طويلا في المواجهة ومقاومة الضغوط في ظل حزمة كبيرة من الأزمات الداخلية تهدد وحدتها الإقليمية، فالسخونة التي يشهدها إقليم تيغراي وضعته في بؤرة الاهتمامات الدولية، ويواجه رئيس الحكومة تمردا صاعدا من إقليم الأورومو، ونهما للاستحواذ على مفاصل السلطة من جانب إقليم الأمهرا.

علاوة على تجدد أطماع إريتريا في إقليم تيغراي، والرغبة في استرداد مناطق كانت تابعة لها جرى ضمها للإقليم، ودخلته قوات إريترية للقتال بجوار الحكومة المركزية، وظهرت موجة غضب دولي بعد نشر تقارير حول ارتكاب انتهاكات إنسانية على يد القوات الإريترية، ما يمثل ضغطا سياسيا مضاعفا على أديس أبابا.

لا أحد ينكر وجود تطورات على مستويات اقتصادية واجتماعية وأمنية وعسكرية، كما شهدت العلاقات الخارجية تحسنا ملحوظا مع الغرب والشرق

كما أن الأزمة الحدودية مع السودان تحولت إلى عنصر ضغط آخر، حيث تتعامل معها إثيوبيا بطريقة أغضبت الخرطوم وجعلتها تصر على بسط السيطرة على منطقة الفشقة التي تريد حكومة أديس أبابا ضمها إرضاء لأبناء إقليم الأمهرا المتحالفين معها.

تقود هذه المشكلات إلى عدم استعجال مصر للحل العسكري وحصر المسألة في الشق السياسي لأقصى مدى، على أمل أن تحدث تغيرات من الداخل تسهم حصيلتها في تسجيل عدد من النقاط في المرمى الإثيوبي، تجبر قيادته الحالية أو البديلة على التوصل إلى اتفاق ملزم مع مصر والسودان.

لقد أجاد النظام المصري اللعب في مباريات داخلية وخارجية، وتخطى جملة من الصعاب بهدوء، وحافظ على توازنه في معارك عديدة من خلال سياسة النفس الطويل، لأن الكثير من الأزمات، مثل سد النهضة، لا يصلح معها التعامل بالضربة القاضية لتعدد الدروب والدهاليز وكثرة اللاعبين والداعمين والمتربصين.

9