الإدمان

الأحد 2015/08/23

لم يعد بالإمكان السكوت أو تجاهل ظاهرة إدمان المخدرات لدى الشباب السوري، ظاهرة تتفاقم بسرعة وتنتشر كالنار في الهشيم، وتهدد حياة ومستقبل الآلاف من الشبان.

ولا نحتاج لإمعان التفكير لمعرفة أسباب انتشار الإدمان على المخدرات -بكل أنواعها- لدى الشبان، فانسداد أفق المستقبل وانعدام الأمل بإيجاد فرص عمل أو حياة آمنة، من الأسباب التي دفعت بهم نحو ذاك العالم.

وما ساعد على ذلك أيضا أن معظم الأسر السورية تضررت ماديا ومعنويا بشكل كبير بسبب الأزمة السورية فائقة الصعوبة، مما دفع قسما كبيرا من الشبان إلى ترك دراستهم أو خسارة عملهم والنزوح، ووجد العديد من السوريين أقرانهم يموتون بالبساطة التي تموت بها الفراشات المحترقة بالنور، لكن هؤلاء الشباب يقدمون كأضاحي العيد في حرب قذرة.

كان لي الحظ بحكم عملي كطبيبة أن ألتقي بالعديد من الشبان الذين أدمنوا المخدرات، والعديد منهم ينتمي إلى أسر أحسنت تربية أبناءها، وإلى أهل يتمتعون بالثقافة ويفهمون العملية التربوية الناجحة، لكن كل تلك المعطيات تتبخر أمام وحشية الظروف التي يمر بها شباب سوريا.

أحد الشبان المدمنين والذي انتهى به المطاف في السجن بتهمة التعاطي والاتجار بالمخدرات قال لي: سبعة من أصدقائي ماتوا، وأخرج رزمة ورقية من جيبه وعرض أمامي أوراق نعي أصدقائه السبعة الذين تحولوا في طرفة عين إلى شهداء أبطال!

أي متانة نفسية خارقة يجب أن يمتلك هذا الشاب كي لا يسقط في مطب تخدير آلام الروح بالمخدرات، وكي يتحمل عضات الألم التي لا ترحم بفقدانه سبعة من أصدقائه؟

لعله يشعر أن دوره قادم لا محالة وأن المستقبل المؤكد في بلد القتل اليومي -سوريا- هو الموت.

شاب آخر التقيته، بعد أن تسبب إدمانه على المخدرات بانهيار عصبي لأمه التي كانت تلطم وجهها وتقول: أفنيت عمري في تربيته تربية صالحة، فكيف أدمن المخدرات؟ وحين تحدثت إليه باح لي بوجعه فهو في سنته الجامعية الأخيرة ويتعمد أن يرسب في الامتحانات الجامعية، لديه فوبيا من التخرج، لديه ذعر نفسي من حمل شهادة جامعية -بدل أن يفتخر بنفسه وتفتخر به أسرته لأنه حصل على الشهادة الجامعية- لأنه يعلم أن الخطوة التالية هي أن يُطلب إلى الجندية، أي أن يتحول بعد أيام أو أسابيع إلى شهيد بطل يلحق بطابور الشبان الذين استشهدوا دون أن يعرفوا الغاية من موتهم، لأنهم صُعقوا ورُوعوا حين وجدوا أن مفهومهم للحياة وحب الحياة والعيش والحب والعمل والنجاح والزواج والإنجاب والخطط المستقبلية لبناء أسرة ووطن، كل ذلك نُسف وتم استبداله بالموت.

أراد هذا الشاب -ومثله آلاف يتشاركون معه ظروفه- أن يهرب من واقعه ويأسه وانعدام الأمل باللجوء إلى المخدرات. أصبحت هناك مقاه معروفة في اللاذقية وغيرها من المحافظات السورية يتجمع فيها الشباب يتعاطون المخدرات، وقد نبه لهذه الظاهرة العديد من رجال الدين، الذين طلبوا من الأهالي مراقبة أولادهم ومحاولة وقايتهم من السقوط في هاوية الإدمان.

لا يمكنني أن أنسى أبدا ذلك المشهد حين دخلت بيروت منذ أسابيع وتعلق نظري بجسر كبير يكتظ بأجساد المئات من الشبان السوريين وقد كُتبت لافته كبيرة “تجمع الشبان السوريين”.

كم هو مُخز ومُهين أن يكتظ الجسر عند مدخل بيروت بالمئات من الشبان السوريين اضطروا للنزوح من سوريا بسبب الجحيم السوري، ليجدوا أنفسهم على هامش الحياة لا يملكون سوى قوتهم الجسدية يعرضونها كي يؤمنوا لقمة عيشهم ويسدوا جوع معدهم الذي هو جوع الذل أيضا.

لا أبرر ظاهرة إدمان المخدرات لدى الشباب السوري أبدا، كنت أتمنى أن يكونوا جبابرة وألا تهزمهم الحياة ووحشية الواقع وقسوة الظروف وسخاء الموت، السخاء الوحيد المُتوفر في سوريا، لكن للأسف الإنسان ليس جبارا، وطاقة الشباب تحتاج لمن يتعهدها ويؤمن لها فرص النمو والإبداع والعطاء، فرص الاستمرار وليس أن يُقصف العمر برصاصة وأن تموت الأحلام وسط مهرجان موت الشبان وهم لا يزالون براعم.

ولا يمكنني إلا أن أحمل الجهات الرسمية في سوريا مسؤولية إدمان الشباب السوري على المخدرات، لأن الدولة هي من يجب أن تؤمن فرص الحياة والأمان والأمن لأبنائها، ولأن مستقبل سوريا سوف يصنعه شبانها الذين أمعنت الظروف الوحشية والقاسية في إذلالهم وكسر مقاومتهم في التشبث بالحياة الحقة.

21