الإدمان عند النساء.. ظاهرة أم علامة على تغييرات ثقافية عميقة

إدمان المواد المخدرة أو التدخين أو الكحول لم يعد من القضايا الخاصة بالرجل في المجتمعات العربية بل بات يطرح كمشكلة تتعلق بالمرأة. وقد تزايدت أعداد النساء المدمنات في المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة بحسب الإحصائيات الرسمية ما يؤكد أن هذه المجتمعات تعيش تغيرات عميقة، وهو ما يجعل تساؤلات محورية تطرح بإلحاح من قبيل هل ارتقى الإدمان عند المرأة العربية إلى مرتبة الظاهرة الاجتماعية؟ وهل يعكس إقبالها على التدخين أو تعاطيها المواد المخدرة جهارا تطورا ثقافيا واجتماعيا إلى درجة أصبح استهلاك النساء لهذه المواد مقبولا؟ ولماذا تربط مسائل التدخين والإدمان بالجانب الأخلاقي والديني عندما يتعلق الأمر بالمرأة في حين يربط الأمر بالتباهي والعادات السيئة لا أكثر في حال كان المدمن ذكرا؟
الأحد 2016/07/10
رفض مجتمعي لا يجد صداه عند الشباب

استهلاك المؤثرات العقلية والنفسية سواء كانت تؤدي للإدمان أم لا مثل السجائر والشيشة والمخدرات وحبوب الهلوسة والكحول بات آفة تهدد فئة المراهقين والشباب فتيانا وفتيات في جميع أرجاء العالم. وفي الدول العربية والمسلمة ظلت هذه الآفة الاجتماعية المرتبطة دوما بانحراف سلوكي وتربوي من المخاطر التي تهدد الذكور أكثر من الإناث نظرا لنمط العيش الذي يتيح للشاب قدرا أكبر من الحرية.

وبعد الانفتاح الذي شهدته المجتمعات العربية في العقود الأخيرة والذي واكبه خروج الفتاة من المحيط الأسري المغلق للدراسة أو العمل ورغم عدم تمتّعها بنفس المقدار من التحرر الذي يحظى به الشاب إلا أنها أصبحت قادرة على ربط علاقات خارج الإطار العائلي وكان لها فرص الاختلاط مع الآخر واكتشاف المواد التي تستهلك للترويح عن النفس كما يسود الاعتقاد ومن بينها التدخين والمخدرات.

وبعيدا عن تأصيل قضايا إدمان النساء وربطها بتغير نسق الحياة الحديث حيث خرجت الفتاة للتعلم والعمل، أو بالابتعاد عن العادات والتقاليد المحافظة وعن ثوابت الدين الإسلامي وهو ما يصفه البعض بتدهور الوضع الأخلاقي في مجتمعاتنا العربية، فإن إقبال الفتاة العربية على التدخين بأنواعه وعلى استهلاك المواد المخدّرة والكحولية انتشر بشكل واسع ما يجعله من المواضيع التي لم تعد تحتمل إدراجها في خانة التابوهات حيث لم يعد من الممكن على أيّ من الجهات الرسمية نفي وجودها لأنها باتت مكشوفة للعيان وأمام الرأي العام. فالتدخين مثلا أصبح سلوكا يمارس في الفضاء العام اليوم فنرى النساء تدخن في المقاهي والجامعات وغيرها من فضاءات العمل التي تسمح بذلك، أما باقي المواد كالمخدرات وحبوب الهلوسة والمواد الكحولية الممنوعة قانونيا في أغلب الدول العربية فإنها تتناول سرا وفي فضاءات مغلقة تجنبا للملاحقة القانونية.

لو تعلق الأمر باستهلاك النساء لمواد ممنوعة قانونيا ومحرمة دينيا فحينها تكون الأحكام المطلقة عليهن أكثر قسوة حيث تعتبرن منحرفات أخلاقيا (وهو ألطف الصفات والأحكام) إن لم يتم ربط ذلك بالفساد وغيره من الظواهر

الثابت أن استهلاك النساء لهذه المواد وخاصة إقبالهن على التدخين أصبح يشكل ظاهرة في المجتمعات العربية وصرنا نشاهد في المقاهي التونسية والمصرية وغيرها من الفضاءات كالجامعات عددا هاما ومتصاعدا من الفتيات المراهقات أو الشابات أو النساء في سن متقدمة يدخن السجائر أو الشيشة دون حرج.

ورغم محاولات التكتم على ظاهرة التدخين عند النساء وعدم كشف حجمها الحقيقي إلا أن ذلك لم يعد مجديا وظلت الإحصائيات المعلنة من الجهات الرسمية تقدم أرقاما يشكك كثيرون في مطابقتها للواقع نظرا لما نشاهده يوميا. أما في ما يخص استهلاك المواد المخدرة فإن أغلب الأرقام الرسمية لا تقدم الصورة الحقيقية للواقع لأن هذه المواد تستهلك خلسة وكذلك الحال بالنسبة إلى المواد الكحولية التي تغيب في كثير من الدول العربية الإحصائيات الرسمية عن استهلاك النساء لها في محاولة لنكران ذلك لأن المسألة لا تتعلق فقط بالمنع القانوني بل أيضا بالتحريم دينيا.

ومهما اتسعت المسافة بين الأرقام المعلنة رسميا وبين النسب الحقيقية للمدمنات ومستهلكات السجائر وغيرها فإن جل الدول العربية تقر بوجودها، بل إنها تحاول القضاء على استهلاك النساء لهذه المواد بسرعة وفاعلية أكبر لأنها إذا تعلقت بالمرأة فإن انعكاساتها والحكم عليها يكون أكثر تعقيدا وقسوة من منظور المجتمع والأخلاق والدين. وتستنكر المجتمعات العربية إقدام المرأة على التدخين وتعاطي المخدرات والكحول لأسباب عديدة تتراوح بين الثقافة العربية الإسلامية والعادات والتقاليد الراسخة في الوعي الجماعي والجانب العائلي والأسري، حيث تكون المرأة هي المربية وهي الأم وليس ذلك في غالب الأحيان اعترافا بدورها القيادي في الأسرة والمجتمع بل هو دليل على أهمية دورها الذي لا يُعترف به علنا.

ترفض المجتمعات العربية تدخين المرأة في النطاق الأسري وخاصة أمام الأبناء ورجال وكبار العائلة كما ترفض ذلك في الفضاء العام ولا تعتبره مسألة حرية شخصية ولا تدينه فقط لتداعياته الصحية التي يشترك فيها الرجال والنساء مع فوارق بسيطة، لكنها تحكم على المدخنة من منظور أخلاقي فتراها متمردة على الأخلاق الإسلامية ورافضة للحياء المقترن بصفات المرأة العفيفة التي تتبع السلف الصالح والعادات والتقاليد، فما بالك لو تعلق الأمر باستهلاك النساء لمواد ممنوعة قانونيا ومحرمة دينيا فحينها تكون الأحكام المطلقة عليهن أكثر قسوة حيث تعتبرن منحرفات أخلاقيا (وهو ألطف الصفات والأحكام) إن لم يتم ربط ذلك بالفساد وغيره من الظواهر.

تمرد أم برستيج

ولا يطلق هذه الأحكام رجال الدين والفئات المحافظة أو الأشخاص ذوي المستوى التعليمي المحدود فحسب بل إنها أحكام يطلقها حتى المثقفون والمتعلمون ليس فقط من الرجال بل إن النساء يدنّ النساء المدخنات والمستهلكات لهذه المواد كما أنهم لا يدرجون هذه السلوكات في خانة المساواة بين الجنسين.

أما بالنسبة إلى النساء المدخنات والمدمنات واللائي يواصلن تعاطيهن لهذه المواد رغم إدراكهن لرفض فئات واسعة من المجتمع أو على الأقل استنكارها لذلك فهن يجنحن لهذا السلوك بدوافع عديدة فنجد منْ تفاخر وتتباهى بتعاطيها لهذه المواد رغبة منها في تصدير صورة المتحررة والسيدة القوية التي تتمرد على الأعراف والتقاليد التي تبدو لها بالية ومتخلفة وجاذبة للوراء، أو التي تريد أن تصطنع صورة ومكانة اجتماعية غير حقيقية، فاستهلاك هذه المواد كثيرا ما يرتبط بالفئات المترفة ماديا والراقية اجتماعيا. ونجد من تقلد أقرانها وتتأثر بسلوكات المحيطين بها إلى أن تجد نفسها في ورطة الإدمان. كما نجد من تتّخذ الاستهلاك متنفسا للترويح عن النفس ومحاولة للتخلص من ضغوط الحياة اليومية ومنهن من تريد فقط التعبير عن رفضها للواقع وترى الأمر إحدى الطرق لتتساوى مع أقرانها من الذكور ولو كانت مساواة في مسألة سطحية وشكلية لا تأثير لها على المساواة الفعلية بين الجنسين.

ورغم محاولات الجهات الرسمية والسلطات العربية حجب هذه الظواهر الاجتماعية إما بتجاهلها أو بالتعامل معها بشكل زجري قانونيا والتكتم على الحقائق المتعلقة بها إلا أنه لم يعد هناك مجال لنكران وجودها في حياتنا اليومية وفي مجتمعاتنا على اختلاف درجات محافظتها وانفتاحها مع خصوصيتها العربية الإسلامية إلا أن التقارير الصحية والبحوث والدراسات الاجتماعية تؤكد أن ظاهرة إدمان النساء في تنام مستمر ولا بد من إيجاد حلول جذرية تمسّ العمق وتعير للتداعيات الصحية والاجتماعية ولمخاطر هذه الظاهرة الأهمية التي تستحق وتبتعد عن المعالجة الزجرية والسطحية التي تقف عند الحد من تمظهرات هذه السلوكات وعند الإدانة والاتهام الأخلاقي دون البحث في أسبابها ومعالجة الدوافع التي ترمي بالشباب نحو الإدمان والتدخين بغض النظر عن جنسهم لأن في سلامتهم سلامة المجتمع بكامله ونهضته.

رغم الإجماع على رفض أغلب المجتمعات العربية لإقدام المرأة على التدخين واستهلاك المخدرات إلا أن هناك من يرى أن هذا الأمر مسألة شخصية تتغيّر من مجتمع إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى ولا يمكن الحكم على النساء المدمنات أحكاما قاسية أخلاقيا لمجرد أنهن تستهلكن مواد يستهلكها نظراؤهن من الذكور

في المقابل باتت مشاهدة امرأة تدخن سيجارة أو شيشة في المقاهي أو النزل أو المطاعم شبه معتادة ومألوفة في بعض المدن العربية الكبرى لكنها لم تصل إلى درجة القبول والهضم من قبل المجتمع ولا يمكن أن تعتبر مألوفة وطبيعية خاصة في الفضاء العام والمشترك وهو ما ينسحب على المواد المخدرة والكحولية، لذلك نجد بعض الفتيات المدمنات مضطرات للتخلي عن هذه العادات عندما تقبلن على الزواج وبناء أسرة لإدراكهن لرفض الزوج وعائلته ومحيطه الاجتماعي لهذ السلوكات، وأحيانا مراعاة لأنهن ستصبحن في وضعية اجتماعية أكثر أهمية وتلعبن دور المربيات والأمهات اللاتي تنشأ الأجيال على أياديهن وبالتالي فإن نظرة الآخر لهن تكتسب أهمية أكبر لديهن.

ورغم الإجماع على رفض أغلب المجتمعات العربية لإقدام المرأة على التدخين واستهلاك المخدرات إلا أن هناك من يرى أن هذا الأمر مسألة شخصية تتغيّر من مجتمع إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى ولا يمكن الحكم على النساء المدمنات أحكاما قاسية أخلاقيا لمجرد أنهن تستهلكن مواد يستهلكها نظراؤهن من الذكور، ويعتبرون أن الصورة النمطية للمرأة العربية تقف وراء التمييز في الحكم على المرأة المدمنة. كما يلتمسون أعذارا للمدمنات والمدخنات كما للمدمنين فيما يخص تنامي الظاهرة ويعتبرون أن كثرة الضغوط النفسية والعقلية والاجتماعية التي يعيشها الفرد اليوم في مجتمعات عربية تعاني من صعوبات اقتصادية وسياسية واجتماعية ومن البطالة ومن الصراعات والحروب لا يمكن إلا أن تفرز ظواهر بخطورة الإدمان في صفوف الشباب بقطع النظر عن الجنس. ويربطون ذلك بالتمرد على السائد وعلى الواقع وعلى العادات والتقاليد والموروث الثقافي.

صحافية من تونس

20