الإرث العثماني مازال يرسم تفاصيل الحياة اليومية للأتراك

الحضارة العثمانية التي امتدت زمنيا لقرون ومكانيا عبر توسع الإمبراطورية العثمانية في العديد من المناطق في العالم، تركت آثارها وتراثها في كل مكان بلغته، لا سيما في تركيا حيث يلاحظ المتأمل في حياة الأتراك اليوم بصمة عثمانية بقي أثرها عميقا في عادات العائلات التركية التي حافظت عليها على مر العصور ومازالت تثمنها وتمارسها، سواء اتصل الأمر بتقاليد الزواج أو بالتزاور أو بالطعام وغير ذلك.
الاثنين 2016/01/25
كأس الماء أم فنجان القهوة

أنقرة - ترك العثمانيون موروثا ثقافيا ثريا يشمل التراث المعماري الذي طبع آثاره الباقية في تركيا من مساجد وقصور ومتاحف والتي تعد مركز جذب للسياحة الثقافية للبلاد.

كما تركوا بصمتهم في الثقافة والآداب والفنون والعادات الاجتماعية السائدة اليوم بين مختلف فئات المجتمع، وهو ما يحيلنا على أن التركي لايزال متمسكا بإرثه من الحضارة العثمانية كعلامة على افتخاره بها لما بلغته من تميز عن غيرها من الحضارات.
بلغ عمر الامبراطورية العثمانية 625 عاما حكمت خلالها مساحات كبيرة في العالم وهو ما جعلها تكوّن حضارة ثرية بانفتاحها واحتكاكها بالعديد من الشعوب لتخلق عادات وتقاليد فريدة اقترنت باسمها إلى يومنا هذا.

أما البصمة العثمانية الباقية والراسخة في الشعب التركي فهي تتمثل في عادات وتفاصيل متنوعة تطغى على حياة الأتراك رغم مرور أكثر من قرن على نهاية الامبراطورية العثمانية، ومن بين هذه العادات ما نجده في تفاصيل الضيافة داخل المنازل التركية حيث يقدم أهل البيت كأس ماء مع القهوة للزائر وهي عادة ترجع إلى أجدادهم العثمانيين الذين بدورهم كانوا يستقبلون ضيوفهم بهذه الطريقة، وفي ذلك تعاقد اجتماعي بسيط راسخ في فهم وتمرير الرسائل الضمنية. ففي حال كان الضيف قد تناول الطعام ولا يرغب في الأكل فهو سيمد يده مباشرة لتناول القهوة فيفهم صاحب البيت أنه ليس عليه أن يعد مائدة الأكل للضيافة. أما إذا امتدت يد الضيف إلى الماء فحينها يعلم صاحب المنزل بجوعه وبرغبته في تناول الطعام قبل القهوة، وبذلك تصل الرسالة ويهرع صاحب البيت إلى إعداد الطعام لضيفه دون أن يشعر أحدهما بالحرج.

البصمة العثمانية راسخة في الشعب التركي ومازالت تطغى على حياة الأتراك رغم مرور قرن على نهاية الامبراطورية العثمانية

هذه العادة مازالت متعارفا عليها داخل المنازل التركية ومعمولا بها في الضيافة ويحفظ كل من الطرفين شيفرتها ويفهم رمزية اختيار ضيفه فيرفع عنه الحرج، ولها وجه آخر يربطها بأثر العثماني في التركي يتمثل في أصالة القهوة في هذا المجتمع حيث تعد من بين أفضل المشروبات التي تقدم تهليلا بالضيف. وللأتراك في القهوة ذوق خاص متعارف عليه فهم يفضلون شربها دون سكر، وبنكهة أصيلة وصافية، وهم ليسوا من هواة إدخال الإضافات والنكهات التي من شأنها أن تغير طعمها الأصلي. وتشتهر القهوة التركية بخفتها على المعدة وبلونها البني الفاتح، الذي تكتسبه من طريقة إعدادها إذ تغلى ببطء سواء كانت معتدلة أو حلوة.

ولعُ الأتراك بالقهوة يعود إلى عهد السلاطين العثمانيين حيث دخلت في عهدهم إلى تركيا، وهو ما أكسبها عبر عقود من الزمن مكانة رفيعة عندهم خرجت بها من البعد المادي إلى أبعاد رمزية ثقافية، فاستحضروها في كتاباتهم وأشعارهم وأغانيهم وضربت بها الأمثال. ويقال محليا إكرام بفنجان من القهوة يحمد أربعين سنة.

وفي عهد السلطان سليمان القانوني وتحديدا في حوالي عام 1540 دخلت القهوة من اليمن إلى إسطنبول فولع بها أفراد القصر والسلطان ذاته، ولفرط إعجاب السلطان سليمان بها أصبحت القهوة تقدم في المناسبات بكل أنواعها سواء في الاجتماعات الرسمية، أو عند استقبال أصحاب المناصب، أو قبول الوفود الأجانب، أو في الحفلات. وبعدها راجت نكهة ورائحة القهوة من القصر لتنتشر في جميع الأحياء والمنازل التركية وتنتقل إلى الشعب اقتداء بسلطانه ودخلت في الثقافة المحلية. وكانت مقاهي الانكشاريين أشهر وأفضل مقاهي إسطنبول، ويقال إنه في عهد السلطان مراد الثالث ازدهرت هذه المقاهي ووصل عددها إلى 600 مقهى في إسطنبول وحدها.

القهوة العثمانية الصافية أرفع درجات الضيافة في تركيا

ولم يقف تأثر الأتراك عند آداب الضيافة أو طرق إعداد القهوة بل تجاوزها إلى توارث تفاصيل المعمار وتصميم المنازل وأبوابها، فإلى اليوم ورغم حداثة البنايات التركية، مازالت مطرقة الباب التي ابتكرها العثمانيون متواجدة حيث كانت توضع على الأبواب مطرقتان واحدة صغيرة الحجم وأخرى كبيرة، وليس هذا التصميم من قبيل الزينة والديكور فحسب بل إن له استعمالات خاصة بكل نوع من المطارق، فصاحب المنزل يمكن أن يعرف إن كان الطارق رجلا أو امرأة فور سماع صوت المطرقة. والمتفق عليه أنه إن طرق الباب بالمطرقة الكبيرة يفهم أن من في الخارج رجل فيذهب رجل البيت لفتح الباب. أما إذا سمع طرق المطرقة الصغيرة فالطارق امرأة وعليه تفتح لها إحدى نساء البيت. وتسمى مطرقة الباب في تركيا يد فاطمة وإلى اليوم مازال الأتراك يحبذون وضعها على الأبواب لأنها من العادات المحببة لقلوبهم ولأنهم يعتبرون أن صوتها الخفيف لا يزعج أهل البيت مثل الجرس الكهربائي وغيره.

ولا يخلو الطعام والمطبخ التركي الحديث من الإرث الذي تركه مطبخ السلاطين العثمانيين الذين أولوا أهمية كبرى للطعام وجودته وللمطابخ والطباخين، وهو ما يكشفه قصر “توبكابي” في إسطنبول الذي يضم بنايات منفصلة تضم عشر قباب على مساحة شاسعة مخصصة للمطابخ. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن ما لا يقل عن 1300 طاه عاشوا في قصر «توبكابي» في القرن السابع عشر، وتَخصَّص كل طاه منهم في مجال معين كصنع الأرز بيلاف أو الحلويات أو المربيات أو اللحوم أو الأسماك أو الخضار أو الأجبان أو الخبز أو الفطائر، وهذه الأكلات لا يزال المطبخ التركي يتفرد بها حتى اليوم. ومن بين أشهر هذه الأكلات الكلاج وهي حلوى يعود تاريخها إلى المئات من السنين وقد عرفت عام 1489 استجابة لأحد السلاطين العثمانيين عندما طلب تحضير نوع فريد من الحلويات ليكون وجبة خاصة في شهر رمضان، وتسمى حلوى الكلاج نسبة إلى “كل آش أي” أي حلوى ماء الورد لاستخدام الورد ومائه كمكونين أساسيين.

12