الإرث المدني في تركيا: صمام أمان ضد "الأسلمة" الزاحفة

الأربعاء 2013/09/11
يستمر نمط حياة الشباب التركي متحديا قمع الحكومة

الأوساط العلمانية في تركيا تتوجس خيفة من عودة الأفكار الإسلامية التي بدأت التسرب منذ سنوات إلى تركيا، ارتباطا بصعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ويعود تصاعد هذه المخاوف لدى العلمانيين لممارسات السلطة المحلية في المدن التركية ولعل أبرزها مشروع حديقة جيزي الواقعة في أحد أطراف ساحة تقسيم وسط إسطنبول ليقام محلها مبنى على شكل ثكنة عسكرية قديمة، على الطراز العثماني، يضم مركزا ثقافيا وربما أيضا مركزا تجاريا ومسجدا، وهو ما أثار موجة عارمة من الاحتجاجات، التي سرعان ما تم إخماد صوتها خشية أن تعيش البلاد ما يشابه الربيع العربي.

ويبدو أن المجتمع التركي العلماني يحاول استشراف المستقبل من خلال السياسات والقوانين التي يشرعها الحزب الحاكم ويفرضها على المجتمع التركي بأسره، علمانيا كان أم إسلاميا، وفيما يتعلق بالحريات الشخصية يربط العلمانيون بين القوانين المحدثة ونمط عيشهم العصري الذي اعتادوا عليه لسنوات، الأمر الذي يخلق لديهم شعورا بالخوف على نمط حياتهم بالطريقة التي اعتادوها في انسجام مع المحافظين، ويرون أن هذه التشريعات ليست إلا بدايات للتفرقة بين أفراد المجتمع الواحد.

وقد نشرت صحيفة "زامان التركية"، يوم 09 سبتمبر الأخير، خبراً مفاده إعلان الرئيس التركي عبد الله غول بدء تطبيق قانون يحد من بيع الكحول خصوصا قرب المساجد والمدارس رغم المعارضة التي واجهته، وتم التصويت على هذا القانون في مايو، ما فاقم الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي هزت تركيا في يونيو حيث اعتبره المتظاهرون خطوة من قبل رئيس الوزراء نحو "أسلمة" تركيا.

والقانون الجديد يحظر بيع الكحول بالمفرق في المتاجر بين الساعة 22:00 و06:00 وفي أي وقت قرب المدارس والمساجد، ويفرض أيضا وضع ملصقات على الزجاجات تحذر من مخاطر الكحول ويمنع الدعاية للمشروبات الكحولية على التلفزيون وفي الجامعات.

ويقول غول أن العمل بهذا القانون ليس إلا "حفاظاً على صحة السكان"، ويأتي قرار البدء في تطبيقه بشكل صارم وفعال، على حد قوله، بناءً على موافقة البرلمان التي صدرت استجابة لمبادرة حزب العدالة والتنمية بحظر بيع السجائر والمنتجات الكحولية بتركيا.

وأكد غول- أحد مؤسسي العدالة والتنمية- أنه سوف يتم تطبيق حظر بيع السجائر والمنتجات الكحولية على كل من تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاما وفى المناطق القريبة من المساجد والمدارس والمستشفيات والأندية الرياضية والمخابز ومتاجر الوجبات السريعة والمرافق الصحية ومحطات الغاز.

كما أضاف أنه سوف يتم وضع رسالة تحذيرية على كل عبوة سجائر أو زجاجة كحولية تقول "لا تجعل- اسم المنتج- صديقك"، كما سيتم أيضاً منع شركات التبغ والكحول من رعاية الأحداث الرياضية، وحظر عرض المشاهد التي تحض على استهلاك الكحول أو السجائر في الأفلام والمسلسلات وتشديد العقوبات على كل من يقود سيارته وبيده عبوة خمر أو في حالة سكر.

يذكر أن الحكومة التركية أصدرت في العام الماضي قانونا يجيز للبلديات نقل مراكز بيع المشروبات الروحية إلى أماكن خاصة خارج المدينة، لكن هذا التدبير ألغته إحدى المحاكم الشهر الماضي. وبرر حزب العدالة والتنمية هذا القانون بضرورة حماية الشباب من "العادات السيئة" وأن الراغبين في تناول الكحول بإمكانهم الحصول بسهولة على مشروباتهم المفضلة في أماكن أخرى.

ويرى بعض الشباب التركي أن "حزب العدالة والتنمية ينفّذ خطة ترمي إلى أسلمه الدولة، وأن نمط حياتهم في خطر". وتجد هذه الآراء صداها في التحذير الذي ردده الرئيس التركي السابق أحمد نجدت سيزر قبل انتهاء ولايته عام 2007، من أن العلمانية التركية تتعرض لتهديد غير مسبوق من قوى خارجية وداخلية ترغب في إضعاف الجيش الذي يتمسك بالعلمانية، حيث قال: "إن النظام السياسي التركي يواجه اليوم تهديدا لم يسبق له مثيل منذ تأسيس الجمهورية عام 1923".

واستشهد سيزر المعروف بتشبثه بالطابع العلماني للجمهورية التركية بازدياد رفض قانون حظر الحجاب الإسلامي في المؤسسات العامة والجامعات، وهو ما وصفه بمحاولة المحافظين فرض وجود خريجي الجامعات الدينية والمنتسبين للتيارات الإسلامية داخل مؤسسات الدولة. كان ذلك في فترة راجت فيها أنباء عن رغبة رجب طيب أردوغان الترشح للرئاسة خلفا له، والمتمعن في تصريحات سيزر يستنتج أنه كان يلمح لنوايا حزب العدالة والتنمية آنذاك.

وقد صدقت تخميناته وثبت على أرض الواقع أن الحزب الحاكم حاليا في طريقه لتحقيق أهدافه خاصة الاجتماعية منها والمتمثلة أساسا في تغيير نمط الحياة الاجتماعية في البلاد وأسلمة المجتمع، وقد قررت الحكومة في تشرين الثاني من العام الماضي رفع حظر الحجاب في مدارس التعليم الديني، والسماح للطالبات في المدارس العادية أيضا بوضع الحجاب كما تضمن القرار إلغاء إلزام الطلاب بزي مدرسي موحد.

وفي هذا السياق وصفت صحيفة "جمهوريت" العلمانية القرار بأنه "خطوة نحو أسلمة التعليم"، وكتبت في عنوان رئيسي "سينتهي هذا الأمر بالنقاب"، كما انتقد اتحاد العاملين في قطاع التعليم الإجراء الخاص بالزي المدرسي الموحد والحجاب، وقال في بيان له إن "تغيير قواعد الزي مهمة لأنها ترينا أنه على المدى البعيد يجري تحويل التعليم إلى تعليم ديني، ويجب قطعا ألا تستخدم الرموز الدينية التي تشيع نمط حياة دينيا في المدارس والتي سيكون لها تأثير سلبي على نفسية التلاميذ".

يشار إلى أن قطاع التعليم يمثل أحد مجالات الخلاف الرئيسية بين المحافظين الذين تتكون منهم قاعدة التأييد لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وبين خصومه العلمانيين الذين يتهمونه بفرض قيم إسلامية بأسلوب المواربة، وتأججت مخاوف العلمانيين عندما قال أردوغان إنه "يسعى لتربية نشء متدين"، وطرح حزب العدالة والتنمية الذي يتولى السلطة منذ عشر سنوات إصلاحات لنظام التعليم تعزز دور المدارس الدينية. كما سعى الحزب الحاكم منذ توليه الحكم إلى تقليص نفوذ الجيش الذي يعتبر نفسه حامي العلمانية منذ تأسيس الجمهورية.

12