الإرجاء كحيلة وتقِيَّة

الثلاثاء 2014/06/17

تتبدّى حالة الإرجاء في أيّامنا امتدادا للفعل السابق، الذي أشار إلى أولئك الذين آثروا السلامة والبعد عن الخلافات وترك المنازعات في الأمور السياسية والدينية.

بعيدا عن الخوض في تاريخ الإرجاء، والاختلافات حياله في الأدبيّات الإسلاميّة، وبعيدا عن ملابسات نشوء “مذهب المرجئة” والتناقضات التي تغلّفه. يحضر الإرجاء في الحياة المعاصرة كسلوك تُقيويّ -من التقيّة-، بحيث يتمّ تأجيل التصريح بالآراء في مواقف لا تحتمل التأجيل أو التملّص أو التسويف. ولا يكاد يبتعد عمّا ذكره الشهرستانيّ من أنّ الإرجاء يرد بمعنيين: “أحدهما بمعنى التأخير ويشتمل على الإمهال، والثاني: إعطاء الرجاء”.

الإرجاء في راهننا يرمز إلى حالات من التهرّب من المسؤوليّة الأخلاقيّة والقيميّة، وهو كسلوك حياتيّ يختلف بين التنظير والتطبيق، ويعكس التناقض الذي يسكن في قرارات غالبيّة اللائذين بالصمت، وتجاهل ما يحصل، والركون إلى عتمة مفروضة حاجبة، خوفا من مواجهة الواقع بتطوّراته ومستجدّاته ومتغيّراته التي تتطلّب التعبير عن المواقف إزاءها.

قد يكون الإرجاء متخلّلا سلوك كثير من المثقّفين أكثر من غيرهم، ذلك أنّ شهاداتهم في الوقائع يتمّ الرجوع إليها لفهم المرحلة، وفهم تعاطيهم معها، ومرونتهم المفترضة، تلك التي قد توضع في سياق الزئبقيّة حين يُساء توظيفها واستخدامها.

يُرجئ بعض الناس إقدامهم على النهوض بأيّ دور، أو القيام بأيّة مبادرة، بحجّة انتظار انجلاء الأمور من بعضها بعضا، وتبيّن الخطوط السوداء من البيضاء، وفي انتظار تلك الحالة الرماديّة، يتلوّن المرجئون أنفسهم بلون رماديّ، ولا يعودون إلى طبيعتهم ببساطة، لأنّهم يصمون أنفسهم بذاك اللون الباهت الذي يحاول أن يكون توفيقيّا، في حين أنّ الجهات المتخالفة تنظر إليه بأنّه لون ملفّق.

ينطبق التوصيف واقعيّا على أصحاب “التيّار الثالث” أو أولئك الذين يجدون أنفسهم قادرين على تحقيق مصالحة مفترضة بين الأطراف المتحاربة، ويخمّنون أنّهم مقبولون من مختلف الأطراف، لأنّهم لم ينغمسوا في الحرب أو المعارك ولم تتلطّخ أيديهم بالدماء، متجاهلين أنّهم بزعمهم القيام بدور الوسطاء يقعون في الحيلة التي يتحاشونها ويستعينون بها زمنا في تهرّبهم من الاستحقاقات الواجبة.

تثبت الوقائع والتواريخ أنّ ترحيل الحياة لن يجدي أبدا، لأنّ الإيهام عدوّ الواقع، وصنو الهروب نفسه، والتحايل على الآخرين بتصوير عوالم محاذية تتجنّب الصدمات خدعة تجاوزها الزمن الحديث، الذي ما عاد أبناؤه يقبلون بمن يرحّل حياتهم إلى غد ضبابيّ يستعين بالتضليل والسراب، وكأنّ بحور الدماء ومستنقعات الدمار والفساد ليست كافية لتبدّد حيلة الإرجاء التي تتغذّى من خطيئة التقية المعاصرة.


كاتب من سوريا

15