الإرهابيون والتكنولوجيا.. معاداة العصر بأدواته

تتعامل الجماعات التكفيرية مع لغة العصر من منجزات تكنولوجية وبرمجيات إعلامية بالشكل الذي يخدم مخططاتها الإرهابية، وتجنّد لذلك عناصر وقع استقطابها من جيل الشباب الذي دفعته عوامل عديدة إلى السقوط في شراك التطرف ضمن بنية عقلية ترفض التطور وتعاديه عبر استخدام مفرداته.
الاثنين 2016/05/02
اعتراف بأدوات الغرب ومعاداة لقيمه

تتناقل بعض وسائل الاتصال الاجتماعي ما يشبه الطرفة، مفادها أنّ أحد قادة الإسلام السياسي قد انقلبت به سيارته الألمانية المتطورة إثر حادث مروري، وأنه قد شاهد في لحظتها هالة ناصعة البيضاء تلفّه في حنوّ كبير فصرخ قائلا لسائقه “إنه ملاك الرحمة وقد أرسله رب العالمين لإنقاذي”، أجابه السائق “بل هذا بالون الإنقاذ الأوتوماتيكي الذي صنعه الكفّار يا شيخنا”.

تتعدّد التأويلات في قراءة هذه الطرفة الشعبية الماكرة، لكنها تحيل إلى أمرين أساسيين؛ أولهما رفاهية القيادات الإسلامية المعتمدة على أحدث المنجزات التكنولوجية الغربية، وثانيهما معاداتها للغرب باسم التديّن ومحاربة الكفر، في مفارقة تبدو غريبة، لكنها تشكّل حجر الزاوية في معرفة طرق تفكير الجماعات الإسلامية وحجم خطورة تبنّيها للمنجز التكنولوجي الغربي مع تطويعه لصالح أعمالها الإجرامية.

تذهب قراءات سطحية كثيرة نحو أنّ المجموعات التكفيرية قد أدارت ظهرها لتقنيات العصر واعتكفت في كهوفها للتوحيد والتسبيح، والحقيقة أنها في كهوفها فعلا، ولكن للتفخيخ وصناعة الأحزمة الناسفة واختراق الشبكات الإلكترونية واستقطاب أجيال الشباب عبر غسيل العقول وإعادة برمجتها.

تنفّذ الجماعات الإرهابية جرائمها من تفجيرات واغتيالات وتهريب آثار وتبييض أموال وقرصنة شبكات وبيع أعضاء بشرية عبر أحدث التقنيات وبأياد متدرّبة ومختصّة في كل مجالات العلوم والتكنولوجيا، حتى أنّ تنظيم الدولة الإسلامية قد أطلق عروضا على مواقعه الإلكترونية يطلب فيها اختصاصات عديدة وبرواتب عالية، ممّا يسيل لعاب الكثير من ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل في صفوف جيل الشباب من حاملي الشهادات العليا.

شملت هذه العروض الرياضيات والفيزياء والكيمياء والطب والهندسة بجميع فروعها، وكذلك البرمجيات واللغات والآثار والعلوم الاجتماعية وحتى الآداب والفنون بما فيها التصوير والتصميم والمونتاج وغيره، وقد لوحظ أنّ مشاهد الإعدام وتحطيم الآثار منفّذة في تصويرها بطريقة حرفية عالية، تتناغم فيها زاوية الكاميرا مع الألوان واختيار الخلفية وأسلوب التقطيع، حتى أنّ أحدهم علّق على صور تدمر بقوله إنّ وزارة السياحة لم تنجح في التقاط أي صورة مقنعة لهذه المدينة التاريخية مقارنة بالصور التي بثّها تنظيم داعش على موقعه.

قد يشكك في صحّة ودقّة هذه العروض وتوضع في خانة الدعاية والتهويل واستعراض العضلات كشكل من أشكال العربدة السياسية والإرهاب الذي تمتهنه أيضا، لكنّ هذه الجماعات التكفيرية لا تتوانى في تسخير العلوم لإتمام جرائمها وكل ما يخدم مشاريعها في التمدّد، من رأس الدبّوس إلى الأسلحة التي غنمتها من مناطق مثل العراق وسوريا وليبيا.

يعرف الغرب الأوروبي والأميركي أنّ الجماعات الإسلامية تشتغل بالابتزاز السياسي طبعا، لكنه كثيرا ما كان يغمض عينا ويفتح الأخرى في حدود ما يلتقي مع جميع مصالحه الآنيّة والإستراتيجية، وهذا ما جعل دولا فاعلة في سياسات المنطقة تنتبه للقضية الآن أكثر من أي وقت مضى و تحاول الاستدراك.

الإرهاب أخذ ما في رؤوس الغرب الأوروبي والأميركي من ابتكارات علمية وحارب الإنسانية في إنجازاتها بإنجازاتها

حاولت الجماعات الإرهابية المسلحة أن تكون مطواعة مع الغرب الأميركي والأوروبي من جهة عزفها على الوتر الحقوقي والإنساني عموما، ووجدت لها آذانا صاغية وتحوّلت إلى ورقة ضغط وابتزاز في أكثر من مناسبة ومع أكثر من دولة عربية وإسلامية، لكنّهم لم يقدّروا حينها بأنّ هذه الجماعات لم تكن إلاّ بيضا للأفاعي فانقلب السحر على الساحر وتذوّق الكثير من الطباخين شيئا من السموم التي كانوا يعدّونها في قدورهم.

مسك الإرهاب بتكنولوجيا الغرب وضرب بها في عقر داره وهذا الأمر يطرح أسئلة جوهرية ومعرفية وتتعلّق بمدى استعداد ذوي الاختصاصات العلميّة على وجه التحديد للانزلاق في التطرف الديني على عكس دارسي الآداب والعلوم الاجتماعية في الجامعات العربية، وهو أمر في عهدة البيداغوجيين والمشرفين على المناهج التربوية.

يأتي قادة المتشدّدين عادة من الكليات العلميّة دون الفروع الفنية والأدبية بشكل خاص كما تشير أبحاث رصد أجريت في هذا الموضوع، ويركّزون عمليات استقطابهم على هذه الفئة لاعتبارات كثيرة، أبرزها أنّ دارسي العلوم أنفع لهم في الاختراقات المعلوماتية وجل العمليات الميدانية كالعلاجات ومسألة بيع الأعضاء مثلا، ولعلّ هذا يعود إلى طبيعة تكوين طلبة الفروع العلمية في المدارس العربية وافتقارهم للتنشئة الأدبية والفنية التي من شأنها أن تخلق حصانة ثقافية تمنعهم من السقوط في التحجّر والتطرف، وتلك معضلة أخرى، وكرة ترمى في شباك الحكومات العربية لاعتقادها بأنّ الفروع العلمية هي أهم وأنفع وأبقى من الفروع الأدبية، كما أنّ من الدارسين من يقول إنّ الغرب قد مجّد العقل البشري إلى حد النرجسية التي أيقظت بدورها الجانب الروحاني واستفزته، فظهر التطرف على شكل ردّة فعل سرعان ما تلقّفتها الجماعات التكفيرية في ما بعد.

يقول مدّعو التوفيق من أهل السلفية المقنّعة في معرض موقفهم من الغرب ومسألة الاقتداء المشروط أثناء ما كان يعرف بعصر النهضة العربية في ثلاثينات القرن الماضي “نأخذ ما في رؤوسهم ونترك ما في نفوسهم” وهو كلام ملغوم، كرّس التناقض وزاد من حجم الكراهية ومهّد للتطرف بحسب رأي الكثير من المختصين في شأن الإسلام السياسي.

هكذا أخذ الإرهاب ما في رؤوس الغرب الأوروبي والأميركي من ابتكارات علمية وتكنولوجية على البارد المستريح كما تقول العامة، وحارب الإنسانية في إنجازاتها بإنجازاتها. يقول أحد الدارسين للفكر المتطرّف “التكفيريون يجيّرون كل شيء إلى صالحهم، إنهم لا يصلّون وإنما يراقبون من يصلّون ومن لا يصلّون”.

ليس الدين بالنسبة إلى الإسلام السياسي إلاّ ذريعة للاستثمار في الإرهاب وقد جعلوه مطيّة لما له من سطوة ونفوذ في المجتمعات العربية، وقد جاءت التكنولوجيا الوافدة لتعزّز هذه الغربة وتدفع نحو روح المعاداة لصانعيها بدل الحوار والتثاقف، بسبب أنّ مستخدميها من التكفيريين يمتلكون عقلية العداء المسبق لصانعي هذه التكنولوجيا.

الإسلامي الذي تنقذه التقنية الغربية من موت محتّم لا يعتبر الأمر إنجازا حضاريا يحسب للغرب، بل يراه حقّا مكتسبا منحته له أمواله وامتيازاته ضمن العقلية التكفيرية.

13