الإرهابيون يصنعون ولا يولدون… استكشاف فكري للطريق إلى التطرف

ما الذي يفسر ظهور الفاشية في ثلاثينات القرن العشرين؟ ونشوء النزعة الراديكالية للحركة الطلابية في ستينات القرن الماضي؟ وتنامي الإرهاب الإسلامي في التسعينات؟ والإبادة الجماعية في رواندا سنة 1994؟ والصراع الإثني في يوغوسلافيا السابقة وفي العراق؟ وأعمال التعذيب والإذلال التي مارسها الجنود الأميركيون في سجن أبوغريب؟ والاعتقاد السائد على نطاق واسع في بعض أنحاء العالم بأن إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولتان عن هجمات 11 سبتمبر 2001؟ وعلى أي حال ما العلاقة التي تربط بين هذه التساؤلات؟
الأربعاء 2016/04/13
جماعات تقبع في الحدود القصوى للشطط

هذه التساؤلات كانت محور تحليل كاس ر. سينشتاين، أستاذ القانون في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية في كتابه “الطريق إلى التطرف.. اتحاد العقول وانقسامها”، حيث يسعى لإظهار وجوه التشابه الصارخة أو المذهلة بين طائفة كبيرة من الظواهر الاجتماعية، انطلاقا من فكرة محورية تجمع بين هذه الظواهر مفادها أنه “عندما يجد الأفراد أنفسهم في جماعات ذات أنماط من التفكير المتشابه، فإن المرجح في هذه الحالة بالذات أن ينتقلوا إلى الحدود القصوى للتطرف، وعندما تشمل أمثال تلك الجماعات على حكومات أو سلطات تأمر أعضاء الجماعة بما يفعلون أو تضعهم داخل أدوار اجتماعية معينة، فإن أمورا سيئة يمكن أن تحدث”.

ويقول “عندما تصل الجماعات إلى حدود الشطط والغلو، فعادة ما يكون ذلك راجعا إلى أن الأفراد المتشابهين في التفكير يقدرون على التجمع، حيث ينتقلون من إحساس مبدئي بالقلق حتى يصلوا إلى السخط، ثم ينتهي بهم الأمر إلى العمل وفي بعض الأحيان يكشف الاستقطاب عن وجود مجموعة من المعتقدات والرغبات المكبوتة. وفي سياق الحركات الاجتماعية المطالبة بالحقوق عادة ما تكون هذه المعتقدات جاهزة للبدء بها، وعندما يسعى الناس في الحصول على حقوقهم، فإن استقطاب الجماعة يكون أمرا مرغوبا فيه”.

ويرى أن “من الوسائل الواقعية لخلق جماعة متطرفة أو طائفة دينية من أي نوع، فصل أو عزل الأعضاء عن بقية المجتمع، وبالإمكان أن يحدث هذا الفصل على نحو مادي أو سيكولوجي، وذلك عن طريق خلق إحساس بالشك في من هم من غير أعضاء الجماعة. وعن طريق مثل هذا الفصل يكون بالإمكان عدم تصديق المعلومات والآراء الخاصة بهؤلاء الموجودين خارج نطاق الجماعة، وحينئذ لن يعيق شيء عملية الاستقطاب، نظرا لأن أعضاء الجماعة مستمرون في التكلم مع بعضهم. وغالبا ما تكون الجماعات المغلقة التي يتكلم أعضاؤها مع بعضهم تربة خصبة، أي بيئة مواتية للحركات المتطرفة”.

وهكذا يؤكد سينشتاين أن الإرهابيين يصنعون ولا يولدون “يصنعون من خلال الشبكات الاجتماعية التي يمكن تمييزها، وهي العمليات التي تتضمن استقطاب الجماعة”، كما أن الغالب على الشبكات الإرهابية أنها تعمل هذه الطريقة نفسها ونتيجة لذلك “يستطيع الإرهابيون أن يقوموا، بطريقة أو بأخرى، بإقناع الأفراد العاديين بالأعمال العنيفة، بيد أن وجهة النظر هذه عن الاستقطاب تصدق تماما على ما هو خارج نطاق مثل هذه المجالات، إذ يحدث استقطاب الجماعة في حيواتنا اليومية، فهو يطوي بين ثناياه قراراتنا الاقتصادية، وتقييماتنا لجيراننا، بل قراراتنا الخاصة بماذا نأكل وبماذا نشرب وأين نعيش”.

من الوسائل الواقعية لخلق جماعة متطرفة، فصل أو عزل الأعضاء عن بقية المجتمع

ويشير إلى أن الإرهاب نتاج للشبكات الاجتماعية والتي يعمل داخلها أولئك الميالون للعنف جادين لتجنيد الآخرين، فالقادة الإرهابيون يعملون متاجرين بالاستقطاب أي منتفعين به، فهم يساعدون على خلق جيوب معزولة من الأفراد المتشابهين في التفكير، وهم يخمدون الآراء المخالفة ولا يسمحون بالخلاف الداخلي، وهم يتخذون خطوات لضمان وجود درجة عالية من التماسك الداخلي، وهم يقيدون نطاق الجماعة التي تقوم بمناقشة المهمة، كما ينتفعون، انتفاعا تاما، بالقوى التي تحظى بالاحترام والثقة، وفوق كل ذلك ينتفعون باستغلال الحوافز الخاصة بحث الجماعة على الموافقة والحوافز التي تحثها على الرفض. والأعمال الإرهابية نفسها إنما تحركها هذه القوى والحوافز. والواقع أن المنظمات الإرهابية تفرض ضغوطا نفسية لتسريع الحركة في الاتجاهات المتطرفة وهنا تقوم عضوية الجماعة بدور أساسي.

ويلفت سينشتاين إلى أن الأعمال الإرهابية التي تقع في الغرب من قبل المغتربين المسلمين تنبثق نتيجة للشبكات الاجتماعية التي لها نوعان مختلفان هما: المجموعات التي تتلاقى وجها لوجه والمجموعات الإلكترونية الافتراضية أي التي تتواصل على الإنترنت، وتشتمل المجموعات الأولى على المساجد والمنظمات المتطرفة للطلاب المسلمين، والتي تتألف عموما من الأفراد الذين أتوا إلى الغرب للدراسة، وتمارس هذه المجموعات غير الرسمية تأثيرا خطيرا نسبيا. وفي الحالات المتطرفة لهذه المجموعات تقوم بخلق شعور بنوع من الهوية الجماعية، حيث يبدأ أعضاؤها العيش في عالمهم الخاص. وتكشف التفاعلات الناتجة عن هذا العيش عن شكل حاد من استقطاب الجماعة، حيث يتسبب في إحداث عملية حب داخلي للجماعة، كما تضمن هذه التفاعلات أن هذه الجماعة تعمل بوصفها غرفة صدى فاعلة، إذ تحث على تصعيد مشاعر الأسى، أي الإحساس بالظلم ومظاهر الإيمان بالمؤامرة حتى تصل إلى مرحلة الكراهية.

ويوضح “أعضاء الجماعة ليسوا فاقدين للرشد، بل الحقيقة أن مصادر معلوماتهم تصبح ضيقة ومحصورة بشكل حاد، فيؤول بهم الأمر إلى الاعتماد على بعضهم البعض فقط في المصادقة على المعلومات الجديدة، كما أن كل شيء يؤمنون به يكون ثمرة للتفاعلات التي تتم داخل منعزلاتهم الخاصة، ومن ثم فإن المعلومات التي تفند اعتقاداتهم تكون منبوذة باعتبارها دعاية صادرة عن الغرب. وسواء أكان الإرهاب يتم تنسيقه بإحكام على يد القادة أم أنه عمل أكثر تلقائية، فإن الجناة ليسوا على الإطلاق فقراء ولا ذوي تعليم متدن، ولا هم مرضى عقليون ولا هم مصابون بصدمة نفسية، فسلوكهم ثمرة للشبكات الاجتماعية واستقطاب الجماعة”.

13