الإرهاب: أسئلة الميراث والمصير

الأربعاء 2015/01/14

يُشكل الإرهاب نمطا جديدا في العلاقات الدولية، ظاهره العنف لتبرير قناعات ومواقف وانتماءات، ولكن باطنه التوظيف لنتائجه بحيث تغدو مدخلا لكثير من القضايا المتنازع عليها، كما قد توظف لصالح الانتخابات، على النحو الذي رأيناه في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء المسيرة الباريسية بعد جريمة شارلي إيبدو، تلك التصريحات التي أحرجت الرئيس الفرنسي، خاصة وأنه طلب من نتنياهو عدم المشاركة في المسيرة، كما أشارت إلى ذلك بعض الصحف الإسرائيلية، لما يشكله حضوره من استفزاز للطرف العربي.

ومن ناحية أخرى يعيد الإرهاب بأشكاله المختلفة ترتيب العلاقات المجتمعية، خاصة في الدول المتعددة الإثنيات والديانات، ليس فقط لجهة الأولويات داخل المجتمعات كأن تكون مثلا الأسبقية للتنمية على الحل الأمني، أو فتح حوار بدل الإقصاء، أو التعايش والسلم بدل الرفض والحرب، وإنما لجهة التأكيد على أن شمولية الإرهاب في بعده العالمي تعود لأسباب موضوعية محلية، وأخرى نابعة من الميراث الاستعماري.

وإذا كانت الأسباب الأولى معروفة، وهي ابنة بيئتها، فإن الأسباب الثانية يتجاهلها، أحيانا بقصد، الكثير من القادة وصُنّاع القرار، والبعض من الخبراء والمحللين، في محاولة منهم لجعل الحاضر يسيطر بشكل كلي على الماضي، بل يبعده بقصد، لأنه ومنذ ثمانينات القرن الماضي أصبحت بيئة العالم الإسلامي، محور طنجة – جاكرتا بتعبير مالك بن نبي، بوجه عام، والدول العربية بشكل خاص مصدّرة للإرهاب. ما علاقة ما يحدث اليوم من عمليات إرهابية يقوم بها عرب ومسلمون داخل أوطانهم وفي الدول الخارجية بالميراث الاستعماري، الذي لم يعد موجودا عمليا إلا على مستوى التنظير؟

يذهب بعض عناصر النخبة إلى رفض ربط ما تقوم به الجماعات والتنظيمات الإرهابية بالماضي الاستعماري أولا؛ لأن الزمن الراهن تجاوز تلك المرحلة، وثانيا؛ لأن ذلك الربط، إن وجد، يبرر فشل الدولة الوطنية التي قامت بعد الاستقلال، وثالثا؛ لأن ذلك ينتهي بنا إلى القول أن الفتوحات الإسلامية هي من منظور السكان الأصليين نوع من الاستعمار، وبذلك تبرر الحملات الصليبية تاريخيا. ورابعا؛ أن الاتكاء على الماضي الاستعماري يدعم عالمية الإرهاب وتمدده أفقيا وعموديا، والأكثر من ذلك يٌشَرْعِن وجوده.

لاشك أن الرؤية السابقة صحيحة من الناحيتين النظرية والعملية، غير أن التعمق في فهم ظاهرة الإرهاب، كحالة راهنة، يصل بنا إلى معانٍ أخرى مختلفة، بل متناقضة مع الطرح السابق، ذلك لأن معظم التنظيمات الإرهابية التي تنشط على الساحتين العربية والدولية، يحظى بدعم خارجي، سعيا لتحقيق أجندات بعينها، ثمّ أن تلك التنظيمات أنشئت لأغراض المواجهة مع دول أخرى، في إطار صراع القوى الكبرى حول مناطق النفوذ وعلى المصالح في منطقتنا، وهذا يعني أنها منتوج خارجي لم يصدّر إلينا فقط ولكن فرض علينا استيراده.

وبعيدا عن التحليل المؤسس، فإن إعادة قراءة تاريخ كل الدول العربية، التي كانت ترزح تحت الاستعمار يكشف حقيقة مفادها أن غالبية القوى الدينية المحلية دُعِّمت من طرف الغرب، والهدف من ذلك مواجهة حركات التحرر الوطني، حتّى أن الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في حديثه عن الأصوليات أشار إلى أن فرنسا اتَّخذت موقفا عدائيا من جمعية العلماء المسلمين مع أنها حركة تنويرية، ووقفت إلى جانب الصوفية في الجزائر، وكذلك كان حال بريطانيا في تأييدها لنشوء جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

واليوم من يحمي تلك التنظيمات ويدعمها اعتمادا على خلفية سابقة، وتنفيذا لمشاريع استراتجية لتقسيم دولنا وإبقائها في حال من الضعف والتفكك والتشرذم؟ أليست هي نفسها الدول الغربية التي تطارد تلك الجماعات الإرهابية في كل مكان، حتى أنها لم تعد تعترف بسيادة ولا حدود الدولة الوطنية، وعلى نفس خطاها تسير الجماعات الإرهابية، وأقرب واقع إلينا ما قامت به داعش في كل من العراق وسوريا، حيث وحّدت أجزاء من أراضي الدولتين وألغت الحدود فيما بينهما.

لنضرب أمثلة عن الحضور الغربي في مجال الإرهاب وتحالفه مع قوى ظلامية، ونقدمها في تساؤلات لا تزال نتائجها كارثية.

كيف لنا أن ننسى تبعات الحرب العالمية الثانية، إذ كان من نتائجها قيام تنظيمات إرهابية في فرنسا ويريطانيا وألمانيا الخ، تنشط داخل تلك الدول، وكان من نتائجها احتلال فلسطين من خلال اعتراف دولي بقيام دولة مجرمة قضت على شعب بأكمله؟

ألم تدعم بريطانيا عبر فيلم وثائقي الجماعة السلفية في الجزائر من خلال إنتاج محطة “بي بي سي” اعتبر دعما إعلاميا، وإظهارها للرأي العام الدولي باعتبارها قوة مؤهلة للقضاء على الحكم في الجزائر؟

ألم توفر فرنسا وألمانيا وبريطانيا ملاذات آمنة لقيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأيضا لعدد من الجماعات الإرهابية بعد دخول الجزائر دوامة العنف؟

ألم يلجأ أبو قتادة الأردني إلى بريطانيا، وفيها بث فتاوى قتل الأطفال والنساء والعزل بشكل عام، محتميا بالحرية وحقوق الإنسان واللجوء السياسي، وفيها أيضا سُمح لقيادة الإخوان بالاستثمار؟

ألم تستقبل الولايات المتحدة قيادات إسلامية، من أمثال عمر عبدالرحمن، وأنور هدام، والأكثر من هذا ألم تتحالف في البداية مع أسامة بن لادن؟ وعلى خلفية مطاردة ومحاربة القاعدة احتلت أفغانستان والعراق؟

تلك الأمثلة دالّة عن أن الغرب صانع للإرهاب تارة، ومشارك فيه تارة أخرى، لكن علينا أن نتبرأ من كل عمل إرهابي، مع أن وزره يقع على القائمين به فقط، والبداية تكون من رفض الميراث الغربي للإرهاب.


كاتب وصحفي جزائري

9