الإرهاب الإقليمي يدخل مرحلة أكثر خطورة تهدد تونس ودول الجوار

الثلاثاء 2013/12/17
الهجمات الجهادية لا تزال منخفضة التواتر في تونس إلا أنها تزداد عددا بشكل ينذر بالخطر

تونس- ترزح تونس تحت وطأة أزمات سياسية متكررة باتت من الواضح أنها تساهم في تدهور الوضع الأمني. على الرغم من أن الهجمات الجهادية لا تزال منخفضة الحدة، إلا أنها تزداد عددا بشكل ينذر بالخطر، ما يسرّع في انتشار الشائعات، ويضعف تماسك مؤسسات الدولة ويؤدي إلى مزيد من الاستقطاب في المشهد السياسي.

تشير مجموعة الأزمات الدولية في تقريرها التحليلي لهذه المظاهر المستجدّة في المجتمع التونسي إلى أن الحكومة الائتلافية، التي تهيمن عليها حركة النهضة الإسلامية، والمعارضة العلمانية تتبادلان الاتهامات، وتسيّسان قضايا الأمن الوطني بدلا من معالجتها. في هذه الأثناء تتسع الفجوة في تونس على الحدود، سهلة الاختراق، والتي باتت بؤرة للجهاد والتهريب تحتشد فيها الجماعات المسلحة.

وتنتاب تونس العاصمة والمدن الساحلية السياحية المخاوف من هشاشة المناطق الداخلية التي تخشاها أكثر مما تفهمها. إضافة إلى الانخراط في الجهود الضرورية لتسوية الأزمة السياسية الراهنة والملحّة. في ظل هذه الأجواء ينبغي على اللاعبين من سائر أطياف النسيج الوطني أن يتخذوا إجراءات، لا تتخذ في شكلها الطابع الأمني فقط، بل تمتد لتشمل إصلاحات اجتماعية واقتصادية أيضا للحد من قابلية حدود البلاد للاختراق.


الفراغ الأمني الذي أعقب انتفاضة


2010-2011 ضد نظام بن علي، والفوضى التي أنتجتها الحرب في ليبيا، يفسران إلى حد كبير الارتفاع المثير للقلق في وتيرة عمليات التهريب عبر الحدود. ورغم أن التهريب كان منذ وقت طويل المصدر الوحيد للدخل لأعداد كبيرة من سكان المناطق الحدودية، فإن الاتجار بسلع خطيرة ومربحة أصبح يشكّل مصدرا لمخاوف عميقة. وباتت المواد المخدرة إضافة إلى كميات صغيرة نسبيا (حتى الآن) من الأسلحة والمتفجرات تدخل البلاد وبشكل منتظم من ليبيا. على نحو مماثل، فإن النصف الشمالي من الحدود التونسية- الجزائرية بات منطقة تشهد عمليات تهريب متزايدة لـ “الحشيش” والأسلحة الخفيفة، وهو ما يزيد من قدرة الجهاديين على التعطيل وإثارة القلاقل، ويرفع من حدة الفساد بين قوات حرس الحدود.

إعادة تنظيم شبكات التهريب (التجار على الحدود مع الجزائر، والقبائل على الحدود مع ليبيا)، تضعف سيطرة الدولة عليها


العصابات الإسلاموية


تحذّر مجموعة الأزمات الدولية من مخاطر التقليل من هذه التهديدات التي تحاصر تونس، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها منطقتها الحدودية وجارتها ليبيا، فلا شكّ في أن الحرب في ليبيا لها تداعيات أمنية على تونس. كما أن المجموعات المسلحة في المناطق الحدودية، والتي شنت هجمات ضد أعوان الحرس الوطني والجيش والشرطة في تونس، أصبحت تشكل تهديدا أمنيا كبيرا فاقمته عودة المقاتلين التونسيين من سوريا. وفي نفس السياق، فإن تبعات الانتفاضة التونسية والحرب الليبية دفعت إلى إعادة تنظيم شبكات التهريب (التجار على الحدود مع الجزائر، والقبائل على الحدود مع ليبيا)، وهو ما يضعف سيطرة الدولة ويمهد الطريق لأنماط أكثر خطورة بكثير من التهريب.

يضاف إلى هذا الخليط حقيقة أن الأنشطة الإجرامية والتطرف الإسلامي باتا يمتزجان في ضواحي المدن الكبرى وفي القرى النائية الفقيرة. وبمرور الوقت، فإن نشوء ما يُسمى العصابات الإسلاموية يمكن أن يسهم في ظهور مجموعات تجمع بين الجهاد والجريمة المنظمة داخل شبكات التهريب العاملة على الحدود، أو ربما يؤدي إلى أسوأ من ذلك، وهو التعاون بين الشبكات والجهاديين.

ودعت مجموعة الأزمات الدولية الأحزاب السياسية الرئيسية في تونس وأعضاء المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان)، وممثلي سكان المناطق المحاذية للحدود مع الجزائر وليبيا إلى إنشاء مجموعات عمل يكون هدفها التوصل إلى مقاربة جماعية وحيادية سياسية لعملية ضبط الحدود والأمن العام وتقديم نتائج عملها إلى السلطات الجهوية والوطنية وذلك للإسهام في منع استشراء العنف الجهادي.

استعادة الثقة بين الأحزاب السياسية والدولة وسكان المناطق الحدودية توازي في أهميتها تعزيز السيطرة العسكرية في أكثر المناطق عرضة للاختراق.


التوافق طريق الحل


من الواضح أن معالجة مشاكل الحدود تتطلب تعزيز الإجراءات الأمنية، إلاّ أن هذه الإجراءات لن تكون كافية بحد ذاتها. حتى مع استعمال أكثر آليات السيطرة على الحدود تقدما من الناحية التقنية، فإن سكان هذه المناطق، الذين ينظّمون أنفسهم في شبكات والذين يعتَبرون من أفقر الطبقات في تونس، سيظلون قادرين على المساعدة على عبور السلع والأشخاص عبر الحدود أو منع ذلك، فكلما تنامى شعورهم بالإحباط الاقتصادي والاجتماعي، تضاءلت رغبتهم في حماية سلامة أراضي البلاد مقابل التسامح النسبي إزاء أنشطتهم في مجال التهريب.

وهكذا فإن تهريب الأسلحة والمخدرات، و تحرك المقاتلين الجهاديين، باتا رهينة للمفاوضات غير الرسمية بين أمراء الاقتصاد غير المنظم وممثلي الدولة. ومنذ سقوط نظام بن علي، بات التوصل إلى مثل هذه التفاهمات أكثر صعوبة. وقد تمثلت النتيجة في إضعاف فعالية الإجراءات الأمنية وندرة توافر المعلومات الاستخبارية المستقاة من العناصر البشرية التي تلعب دورا حاسما في مواجهة التهديدات الإرهابية أو الجهادية. في ظل مناخ محلي وإقليمي متقلب، فإن استعادة الثقة بين الأحزاب السياسية والدولة وسكان المناطق الحدودية توازي في أهميتها تعزيز السيطرة العسكرية في أكثر المناطق عرضة للاختراق.

على المدى البعيد، إن حدا أدنى من الإجماع بين القوى السياسية حول مستقبل البلاد هو وحده الكفيل باستعمال مقاربة ناجعة حقاً لمعالجة قضية الحدود. وفي هذا المجال يقول معدّو تقرير مجموعة الأزمات الدولية إن نهاية الأزمة السياسية في تونس تبدو بعيدة، حيث أن النقاشات المتعلقة بتشكيل حكومة جديدة، والانتهاء من وضع دستور جديد وقانون انتخاب جديد، وتعيين هيئة انتخابية جديدة لا يزالان بين أخذ ورد. ودون تسوية هذه القضايا، من المرجح أن ترتفع حدة الاستقطاب وأن يسوء الوضع الأمني، وأن يتهم كل طرف الطرف الآخر باستغلال الإرهاب لغايات سياسية. وهكذا فإن تجاوز أزمة الثقة بين الائتلاف الحاكم والمعارضة يعد محوريا للخروج من هذه الحلقة المفرغة.

إلا أن المأزق السياسي الراهن لا ينبغي أن يستبعد تحقيق بعض التقدم الفوري على الجبهة الأمنية، والعمل معا لتعزيز عمليات السيطرة على الحدود، وتحسين العلاقات بين السلطات المركزية وسكان المناطق الحدودية، إضافة إلى تحسين العلاقات بين دول المغرب العربي. هذه كلها مهام يمكن إنجازها فقط بعد تسوية الصراعات السياسية الكامنة تحتها لكن، وفي هذه الأثناء، لا تستطيع الجهات الفاعلة في تونس تجاهلها.

6