الإرهاب التكفيري في تونس وأسبابه العميقة

الثلاثاء 2014/06/03

تعيش تونس صداما أمنيّا مع الإرهاب التكفيري منذ مايو 2011 تاريخ أوّل عمليّة إرهابيّة خلّفت شهداء عسكريين في الروحيّة بمحافظة سليانة وسط غرب تونس. ويدور هذا الصدام على جولات يتكبّد فيها الإرهابيّون خسائر مرة، وتتلقّى فيها الدولة ضربات موجعة مرة أخرى.

ففي ظرف وجيز في شهر مايو 2014، وخلال العشرة أيام الأخيرة منه، عرف صدام تونس مع الإرهاب جولتين كبيرتين، في أولاهما تمكنت الأجهزة الأمنيّة التونسيّة من الكشف عن خليّة إرهابيّة خطيرة في مدنين جنوب تونس قرب الحدود الليبيّة كانت تمتلك صواعق وألغاما وأسلحة متطوّرة وأجهزة تفجير عن بعد. وكانت تعدّ لعمليّات إرهابيّة داخل التراب التونسي.

وفي الجولة الثانية، وقبل أن تزول نشوة الانتصار بالعمليّة الأمنيّة الناجحة السابق ذكرها، تمكّن الإرهابيّون من تنفيذ عمليّة نوعيّة استهدفت فرقة الحرّاس الأمنيّين التي كانت تحرس منزل عائلة وزير الداخليّة التونسي لطفي بن جدّو في مدينة القصرين وسط غرب تونس. وهي عمليّة استعراضيّة لأنّها وقعت في مدينة عسكريّة، وفي حي يعد مقرا للإدارات الأمنية الكبرى وعلى منزل وزير الداخليّة نفسه رمز السيادة الأمنيّة في الدولة التونسيّة. وقد انتهت العمليّة باستشهاد أربعة أعوان أمن وجرح اثنين.

هذه العمليّة يمكن اعتبارها ردّا على تصريحات المسؤولين التونسيين بأنّهم لن ينتظروا الإرهابيين، وإنما سيحاربونهم حيث هم في المواقع التي يختبئون فيها. فردّ الإرهابيّون بأن هاجموا مواقع أمنيّة محصّنة في عمق المدينة. والرسالة واضحة مفادها أنّ الإرهابيين قادرون على الوصول إلى مراكز السيادة. إذن، لم يحسم صراع تونس مع الإرهاب ولا يبدو أنّ نهايته قريبة، رغم ما تعلنه الدولة التونسيّة من عزم على التصدّي للإرهاب بلا هوادة، ورغم دعوات الغفران التي أطلقها مؤخرا الرئيس التونسيّ منصف المرزوقي في جبل الشعانبي حيث تدور المعركة الأمّ ضدّ الإرهاب. هذه بعض مظاهر الصدام الحاصل بين تونس والإرهاب. وهي تدعو إلى الاستقراء بحثا عن أسبابه العميقة.

منهج الاستقراء الذي نحاوله يدعونا إلى مسح تاريخي مختزل للمشروع التحديثي والخيار السياسي الاقتصادي اللذين عرفتهما الدولة التونسيّة الحديثة منذ البواكير الأولى عند مطلع ستينات القرن الماضي مع نظامي بورقيبة وبن علي إلى تجربة حكم “الترويكا” التي انتهت في يناير 2014 الماضي.

راهن المشروع التحديثي للدولة التونسيّة على العلم والأدب والفنّ والثقافة والانفتاح على العالم. وكان تأسيس الجامعة التونسيّة سنة 1960، عاملا حاسما على بلورة مشروع تحديثي مدني قامت الجامعة على تنفيذه برعاية الدولة وتشجيعها.

لكنّ هذا المشروع التحديثي كان ذا اتجاه واحد. فالدولة تبنّت التحديث الفكري والمجتمعي، ولكنّها عطّلته في المستويين السياسي والاقتصادي إذ أنّ مشروعها السياسي كان مشروعا استبداديا قائما على فكرة الزعيم الأوحد. وكانت الممارسة السياسيّة في العهد البورقيبي أبوية بطرياركيّة تؤجّل المسألة الديمقراطيّة متعلّلة بعدم جاهزيّة المجتمع التونسي للتعدديّة والديمقراطيّة.

أمّا خيارها الاقتصادي فقد بدأ وطنيّا قائما على امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج، وانتهى في أواخر العهد البورقيبي وطيلة العهد النوفمبري ليبراليّا متوحّشا فرّطت الدولة خلاله في قطاعات ومؤسّسات كثيرة أهمّها الضيعات والتعاضديّات الفلاحيّة ومصانع الاسمنت وشركات الغاز والنفط، ويسرت انتقال رأس المال إلى الخواصّ وشجّعت الاستثمار الخارجي بتسهيلات مضرّة بمصلحة تونس وشعبها.

هذان الخياران السياسي الاستبدادي والاقتصادي الليبرالي، اللذان حافظت عليهما الحكومات التونسيّة بعد الثورة وذهبت بهما حكومتا الترويكا إلى أقصاهما، كانت من نتائجهما انسداد الأفق السياسي وموت الحلم التحرري وقتل الطموح المدني التعددي وإفقار الجهات الداخلية مقابل إثراء الجهات الساحلية الشرقية المرفهة نسبيا في أصلها.

هذان الخياران قصما ظهر الجهات الداخلية، وأقاما الفوارق بين المدن التونسية، وسرقا ثروات بعضها لخدمة بعضها الآخر. فاشتد فقر الفقراء، وافتقرت فئات وجهات لم تكن فقيرة، وانفرط عقد المجتمع التونسي وسقطت قيم التكاتف والتلاحم فيه. وظهرت ظاهرة النزوح من المدن الداخلية والأرياف والبوادي إلى المدن الكبرى. وتخلق في المجتمع التونسي نزوع عنصري ونعرات جهوية على خلفية الأصيل والنازح وابن المدينة والوافد. وفي العاصمة والمدن الساحلية الكبرى نشأت الأحياء الشعبيّة التي تكدس فيها النازحون.

هذه التجمّعات البشريّة العشوائيّة التي تسبّبت في إنشائها خيارات الدولة الاقتصاديّة والسياسيّة اللاوطنية، كانت فيها النفسيات هشة والجيوب خاوية والنزوات متحرّكة والذوات مهيّأة للتطرّف. لا أحد حفل بها. وكانت الخلايا تعمل في صمت وتقية.

وبعد 14 يناير 2011، سقطت الأقنعة وأعلن أمراء التكفير- الذين ساهمت فضائيات الفتاوى في تكوينهم- عن أنفسهم. وشرعوا في ممارسة الاستقطاب والانتداب والدمغجة في غياب الدولة في مرحلة أولى، وتحت تقيتها في عهد حكم الترويكا وبمباركة من الإسلام السياسي الإخواني. وجد الإرهابيون ضالتهم ووجد المهمشون من يحفل بهم. فامتلأت أدمغتهم بالإرهاب التكفيري وفاضت جيوبهم بالدنانير. وليس عسيرا عليهم أن يكافئوا ذلك بالسمع والطاعة والتفجير.

هذا المنجم الإرهابي المتوفر في الأحياء العشوائيّة والمناطق المفقّرة خلق مفارقة استعصت على المحللين تتعلق بالقوى اليسارية، الاشتراكية منها والعمالية، التي انسدت أمامها هذه المناطق والأحياء رغم أنّها نظريا تعد مجالها الحيوي. وسبب هذا الانسداد هو أن هذا المجال كان قد سبقهم إليه أعداؤهم الأيديولوجيون مدعومين بالدمغجة الدينية القائمة على الاستلاب وتدفق المال السياسي الفاسد وعلى مساندة الحزب الإخواني الذي يعدّ ذراعهم الرسمي. ولهذا لم يتحوّل المفقّر إلى مناضل يعمل من أجل العدالة الاجتماعيّة والمساواة والكرامة وتحقيق السعادة الكونيّة انسجاما مع شعارات الثورة التونسيّة، وإنّما تحول إلى إرهابي يذبح ويفجر مكبرا مستبشرا.

مشكلة الإرهاب في تونس ليست ظاهرة عابرة كما يقول المتفائلون. إنها مشكلة عميقة وحلها ليس عند الدولة فقط، ولا عند أي حزب بمفرده أو أية منظمة لوحدها. هذه هي المشكلة الكبرى التي يمكن أن تبعثر كل المخططات مهما كان صدقها وحجم طموحها. وقد لا يتوقف نزيف الدماء التونسية إذا لم يتم تحديد المسؤوليات وكشف الملفات والحقائق كحقيقة إفساح المجال لهروب أبي عياض زعيم “تنظيم أنصار الشريعة” المصنف إرهابيا لما كان محاصرا في جامع الفتح بالعاصمة في حكومة حمادي الجبالي حين كان النهضوي علي لعريض وزيرا للداخلية.

لقد وجدت الدولة التونسية نفسها مجبرة على التعاطي الأمني والعسكري مع الإرهاب. وهي معالجة ضرورية لكنّها لن تكون حاسمة. فالإرهاب لم ينشأ فجأة ولا بغاية التمرين والتقليد، وإنما له أسبابه السياسية والاقتصادية العميقة.

الحل ليس بالبندقية فقط، فهذا عمل وقائي دفاعي. أمّا الحل الاستراتيجي فهو الوفاق الوطني أوّلا، والتنمية العادلة ثانيا، والخيار السياسي الاقتصادي الوطني ثالثا، والمشروع التربوي رابعا، والحريّة والعدالة والمساواة خامسا، واستعادة الدولة لوسائل الإنتاج سادسا.


كاتب وباحث سياسي تونسي

8