الإرهاب الديني هو أكبر التحديات

الجمعة 2014/03/07

يكاد يتفق كل الليبيين على أن الإرهاب الديني الذي تنغمس فيه ليبيا وتعاني ويلاته، والذي يعزوه أغلب المراقبين، إلى وجود هذه الميليشيات المتطرفة من أهل الإسلام السياسي بكل أنواعه، هي أكبر التحديات التي تواجهها البلاد، وأن تحرير ليبيا من هذا الإرهاب والمتسببين فيه، يأتي على رأس أولويات الحراك السياسي الشعبي والمدني، بعد أن فقد الناس الأمل في الحراك الرسمي على مستوى المؤتمر والحكومة.

ولا أدري ملابسات الحادث الذي ذهب ضحيته سبعة من المصريين، الهاربين من سوء معيشتهم لاجئين إلى ليبيا ربما يجدون فيها لقمة العيش، فإذا بهم يصبحون خبرا تتناقله وسائل إعلام العالم ضمن أخبار الجرائم التي تحدث في ليبيا وفي مناطق شرق البلاد، حيث كانت بداية انطلاق الثورة، وأصبحت اليوم مرتعا لشراذم القاعدة، وغير القاعدة، من أهل التطرف والغلو والقتل على الهوية.

بل هو قتل لأجل متعة القتل، وتأكيد ذلك ما تقوله التقارير التي يكتبها أهل علم النفس والخبراء، والعارفون بالمنطلقات النفسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الجماعات، باعتبار أنهم مرضى نفسانيون، وليته كان مرضا مثل أمراض نفسية أخرى، يكتفي فيها الإنسان أن يعيش في عالم الوهم والخيال، كما نرى، عند زيارة مستشفى الأمراض العقلية، إنسانا يظن أنه قائد حربي، وآخر يرى في نفسه شخصية تاريخية، ويكتفي بهذا إرضاء لجنونه، ولكنه هنا للأسف جنون الإجرام الذي يريد أن يعطي لنفسه غطاء دينيا قدسيا لجريمة القتل التي يرتكبها، فتبدو له كأنها واجب يؤديه لخالقه ودينه، بينما هو في الحقيقة يقوم بواجب نحو الشيطان ويقدم خدمة له كواحد من عبدته وخدامه.

هو كذلك بالتأكيد، وإلا فليعطني أي إنسان عاقل، سببا يدفع هذا الملثم الذي اقتحم مع شركائه في الجريمة، محل إقامة الضحايا، يسأل عن المسيحي والمسلم، قبل أن يقوم بفرز هؤلاء البؤساء من أتباع ملة اليسوع، وكانوا سبعة أو ثمانية، ربما أرادهم أن يكونوا سبعين أو ثمانين، ليجد مزيدا من الإشباع لشهية الدم وغول الإجرام الذي يسكن تحت جلده، لينقلهم تحت تهديد السلاح في سيارته، ثم يصل بهم إلى بقعة مهجورة على البحر، ويضع أكثر من رصاصة في رأس كل منهم، ويتركهم جثثا بلا أرواح.

إنه عمل لا يقدر عليه إلا إنسان ملأ قلبه الظلام، وأصيبت بصيرته بعمى الإجرام، ولم يعد ثمة بصيص من الإنسانية في قلبه يستطيع أن يمارس به إنسانيته، وتحول إلى وحش مفترس، وخرج لا من دائرة الدين والإسلام والإيمان فحسب، بل خرج من دائرة البشر فيما تقول الشواهد ودماء الأبرياء.

وقد نشرت مجلة ليبيا المستقبل التي يحررها الأستاذ حسن الأمين، تقريرا من قناة سكاي نيوز، عن شهود عيان حضروا الحادثة، يؤكدون بطريقة لا تقبل التفنيد، أنها جريمة تمت على أساس ديني، وأن القتل كان بدافع التعصب الديني الأعمى ولا سبب سواه، وأن المجرمين الملثمين، جاؤوا إلى مقر إقامة هؤلاء الضحايا، يمتشقون أسلحتهم، وسألوا عن قاطني البيت، وتركوا من كان مسلما من هؤلاء المصريين، وانتقلوا إلى طابق أعلى يسكنه فقط هؤلاء المساكين ممن جمعهم انتماؤهم للملة القبطية، فتم فرزهم بسبب ديانتهم، وتم أخذهم في سيارة الجناة، ليتم قتلهم بدم بارد.

نعم هناك تحديات أخرى لاشك في ذلك، ولكنني أراها ضئيلة بجوار التحدي الأكبر، وهو اختطاف البلاد، وأخذها رهينة داخل كهوف هذه الجماعات الإرهابية، وكلنا نشكو من مخالفات وانحرافات مجلس منتخب مثل المؤتمر الوطني العام، ولكنني على يقين من أن مخالفاته وانحرافاته وسوء أدائه، إنما ناتجة عن تسيد هذه الجماعات المتطرفة، وهذه الميليشيات المجرمة، وهذه العناصر القادمة من جبال أفغانستان، وكهوف تورا بورا، وتسيدت على المشهد السياسي الليبي. إذن هي المصدر الأساس لكل الكوارث التي يعيشها الليبيون، بعد نجاح ثورتهم في دحر الطاغية وإسقاط نظامه، وقد تبخر مع هذه الميليشيات، وجرائمها في القتل والتصفية، التي لا تتواتر بشكل يومي، كل أمل في بناء دولة الرفاه ودولة الحرية ودولة الكرامة، ودولة المستوى المعيشي الراقي، التي تصل إلى مصاف دول الخليج التي سبقت ليبيا في مضمار التنمية والتطور العمراني، رغم أن ليبيا كانت تسبقها بمراحل كبيرة في هذا المضمار، وكانت تتوافر على حواضر مزدهرة، وبنية تحتية وجدت منذ مرحلة الاستعمار وقبل اكتشاف النفط، وقطعت مشوارا في البناء بعد اكتشافه، إلا أن التجربة أجهضت بفعل التآمر والقفز على السلطة، عن طريق ضابط وضعوه على كرسي الرئاسة، وأحاطوه بوسائل الحماية، وقاموا بتمكينه من قهر الشعب، سعيا لابتزاز ثروات ليبيا واستغلال موقعها فيما يخدم مصالحهم. فهل هو التاريخ يكرر نفسه مع هذه الجماعات المتطرفة، هل حقا لم تسفر الإطاحة بالطاغية إلا على تصنيع طواغيت جدد يتوزعون على رقعة الوطن؟ هل هناك حقا أياد سوداء تعمل في الخفاء ليلقى الشعب الليبي مصيرا كهذا المصير؟


كاتب ليبي

8