الإرهاب الروائي

هكذا وجد الروائي العربي الجديد نفسه في هذه الدائرة البائرة وما رافقها من عنف ودموية بديلا عن الحوارات الجدلية المتحضرة القائمة على احترام الآخر وذهنيته وما يؤمن به.
الخميس 2018/09/13
صار القتل الرمزي جريئا بشكل فاجع

هذه انتباهة شخصية التقطناها من سيل الروايات العربية التي تدفقت بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي. وهي انتباهة طبيعية لمجمل القراءات السردية العربية التي أخذت من “الربيع العربي” قسوته ودمويته ووحشيته غير الخافية منهجا وسلوكا ووعدا يعرفه العرب/ المسلمون قبل غيرهم، فالـ”قتل” مفردة شاعت في سرديات الرواية على نحوٍ فظيع ولا سيما في العراق وسوريا ومصر، ومن النادر ألّا تجد هذه المفردة ومشتقاتها في الروايات الجديدة التي أعقبت التحولات الدراماتيكية السياسية في بعض الدول العربية، لهذا فشيوع هذه المفردة وأخواتها هو محصلة تحولات واقع عربي من زاوية إلى نقيضها، حينما صار من السهولة أن يستخدم الروائي العربي الجديد كلمة محددة لها مرجعيتها الاجتماعية والسياسية والطائفية لما فيها من تهويل وثأر وقفز على حقيقة الحياة المسالمة التي نتوخاها في كتاباتنا.

القتل السهل في التآليف والسرديات العربية الحديثة أمر لافت جدا للأنظار ولو أردنا معرفة أسبابه فلن نتجاوز السياسات الطائفية والمذهبية والعقلية غير المنفتحة على معطيات الحاضر وتقدمه العلمي والإلكتروني، وبالتالي سنقرر أن الكثير من التخلف يؤدي إلى الكثير من الدمار والتأخر الثقافي والعلمي. وإبقاء المنظومات الاجتماعية العربية في أحيازٍ مغلقة تتكرر عليها الصور القديمة التي أبلاها الزمن. وهكذا وجد الروائي العربي الجديد نفسه في هذه الدائرة البائرة وما رافقها من عنف ودموية بديلا عن الحوارات الجدلية المتحضرة القائمة على احترام الآخر وذهنيته وما يؤمن به. ولهذا صار لزاما علينا أن نتكيف مع السرديات القادمة من المصحات العربية الجديدة في تقصّيها للواقع العربي الجديد المنغمس في وباء القتل والتعذيب الذاتي والخديعة السياسية والدينية المتطرفة، وصار الروائي العربي محكوما بواقع ليست له علاقة فنية به، بقدر ما هي علاقة التباس جغرافي وتاريخي وديني، وبات من السهل أن تقرأ في أيّ رواية عربية جديدة “أطلق عليه النار فأرداه قتيلا” و”أطلق رصاصة على رأسه” و”صوّب على قلبه وترك الرصاصة تنطلق..” و”قتله برمشة عين” و”أفرغ في جسده عددا غير محدود من الطلقات” و”قتله لأنه كان يشك فيه..” وما إلى ذلك من سهولة في فصاحة القتل وتجريب الموت الروائي في العصر العربي المظلم، فتحوّلت السرديات فيه إلى آلة تسجيل للقتل وأنواعه بطريقة مباشرة وسهلة التناول، حتى صار القتل الرمزي جريئا بشكل فاجع وآليا كما لو أنه نهاية طبيعية للإنسان الحالم بالبقاء والخلود والجمال والسلام.

إنّ عبارة “أطلقتُ عليه رصاصة عاجلة فقتلته على الفور” استسهال في الرؤية لقيمة الإنسان مهما كانت مبررات القتل، سواء أكان حقيقيا يجري في الواقع لإلغاء الآخر، أم سرديا متخيلا ضمن تسلسل سردي يأتي بهذه النتيجة المقيتة، فهذا الإرهاب السردي ليس له ما يسوّغه على سبيل التقصي الروائي وبهذه الطريقة “التعليمية” المباشرة التي تضفي على العمل الروائي طرائق بوليسية وفيلمية غير معتادة في “واقع” الكتابة؛ وإنّ جملة خيالية مثل “سددتُ فوهة المسدس على صدره وأطلقتُ الرصاصة الوحيدة فمات لفوره” جملة اعتراضية ليست جمالية بقدر ما فيها من القبح الذي يوازي قبح الواقع الحقيقي المليء بهذه اللقطات اليومية التي تحاصر الإنسان في كل زاوية عربية. فتحوّلت الروايات من واقعها المأساوي المتشظي إلى واقع فيلمي ليست فيه روح سوى “أرواح” المسدسات والبنادق والإطلاقات السردية العشوائية، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ”الإرهاب السردي” الذي لا يخضع إلى إنسانية سردية، بل يزيد من واقع الألم أمام المتلقي العام في إسقاطات مباشرة غير مدروسة تماما.

14