الإرهاب بين العلم والتكنولوجيا والمعرفة

الأربعاء 2016/01/27

قرأت مؤخرا مقالة بعنوان “علميون ولكن إرهابيون”. بمناسبة الهجوم الإرهابي الأخير في كاليفورنيا يعبر كاتبها عن دهشته من أن يكون من قاما بها من ذوي التخصصات العلمية الرفيعة. ويلاحظ عن حق أن معظم من ينفذون عمليات إرهابية ومن ينتمون للفكر الأصولي عموما، هم مهندسون وأطباء وفيزيائيون ومختصون في المعلوماتية. هل حقا من المثير للاستغراب أن يكونوا تقنيين ومن ذوي الاختصاصات العلمية؟

أصل المشكلة يكمن في أن مجتمعاتنا لا تقدّر العلوم الإنسانية من أدب وفلسفة وفنون وتعتبرها من الدرجة الثانية بينما تقدس العلوم البحتة. استمعت مرة إلى مدير إحدى أنجح الثانويات يشدد على أهمية العلوم، مشيرا بصراحة إلى أن طلاب أحد صفوف الرياضيات رفضوا أن يضيعوا وقتهم وذكاءهم في دراسة السخافات كالتاريخ والجغرافيا. ورغم ذلك نجحوا بتفوق.

هذه ذهنية تسود المنطقة، احتقار الإنسانيات والآداب بحيث يتساءل مسؤولون، في غمرة حماسهم للعلم، عن مدى ضرورة اختصاصات مثل علم النفس وعلم الاجتماع والأدب والتاريخ. كما يحق لحاملي الشهادات العلمية دخول جميع الفروع، بينما الآخرون تنحصر خياراتهم في بعض الاختصاصات. العلم هو الحل السحري لما نعاني منه.

المشكلة لا تكمن في اعتبار العلم الطريق الأقصر نحو السعادة المطلقة، بل في الخلط بين العلم وابنته الشاذة التكنولوجيا. ويكتب جيلسون “اهتمام الناس المتعاظم بنتائج العلم، هو شيء مفهوم وشرعي، لكنه ساهم في نسيان أن العلم معرفة قبل كل شيء”.

من الملاحظ أن التوجه نحو العلوم كما هو حاصل اليوم يؤدي إلى شكل من أشكال التجهيل. إن أيا من القادة والساسة ومن يوجهون العالم لن نجده متخصصا في العلوم البحتة. هذه الاختصاصات قد تؤدي إلى الانقطاع عن دورة الحياة وإلى نوع من السذاجة، عندما لا تترافق مع تربية متكاملة تطال الأفكار مثلما تطال المعلومات. نريد أن نقلد الغرب بتقليد منتجاته متناسين أن لغز نجاح العلم في الغرب وإخفاقه في الحضارات غير الغربية يفسر بدراسة مجالات غير علمية كالقانون والدين والفلسفة والآداب وغيرها.

ما يساعدنا على فهم مغزى حياتنا هو التربية التي تنقل الأفكار التي تسمح باختيار أمر ما عوض آخر هل سمع أحدكم عن القانون الفيزيائي المعروف بالترموديناميك الثاني؟ هل سوف تؤثر عدم معرفته على مجرى حياتنا؟ في المقابل يمكن أن تشكل الإجابة بالنفي عن سؤال مثل؛ هل قرأتم أعمال شكسبير أو المتنبي أو الخيام؟ شعورا حقيقيا بالنقص. لا يستطيع العلم أن ينتج أفكارا مؤهلة لإدارة حياتنا، الأفكار العلمية العظيمة تصلح لبحث متخصص، لكنها غير قابلة لأن تساهم في سيرورة حياتنا وتأويلنا للعالم.

من يشعر بفقدانه وجهة واضحة، لن يحصل عليها سوى في الإنسانيات. فهناك بإمكانه إيجاد الأفكار الرئيسية التي تسمح له بتأسيس فكره، بحيث يتخذ العالم والمجتمع وحياته الشخصية معنى.

كتب داروين في مذكراته كيف أنه حتى سن الثلاثين كان يقرأ الشعر ويتذوقه ويقرأ شكسبير بلذة ويحب رؤية اللوحات وسماع الموسيقى. لكنه اكتشف فجأة بعد سنوات أنه لم يعد يحتمل قراءة بيت واحد من الشعر. وكتب “حاولت حديثا قراءة شكسبير لكنه صار مثيرا للملل. يبدو أن فكري قد تحول إلى آلة تختزل مجموعات الوقائع العريضة وتحولها قوانين عامة… يمكن لذلك أن يضر بالذكاء أكثر من ضرر بالطباع الأخلاقية، لأن ذلك يضعف الجزء الانفعالي من طبيعتنا”.

يمكن القول إن أسس العلم الحديث من حيث الفكر ومن حيث المؤسسات قامت في مجالات خارج نطاق العلم حيث يتأمل الإنسان في طبيعة الكون بأعمق معانيه؛ وحيث شكل الإنسان المؤسسات التي تسمح للأفراد بأن يستمتعوا دوما “بالفضاء المحايد والمتحرر من غارات الرقابة الدينية والسياسية”. إن الطريق إلى العلم الحديث هو الخطاب الحر المفتوح، وهذا هو اللغز الذي عجزنا عن حلّه.

هذا عن طلابنا في المدارس العادية، أما طلاب الدين والعلوم الإسلامية فالمشكلة في ما يخصهم أكبر. يشير عبدالفتاح مورو، نائب رئيس حركة “النهضة” والنائب الأول لمجلس نواب الشعب التونسي في حديث لجريدة النهار إلى أن التصدي لظاهرة التطرف الديني “بما يتجاوز الأمن إلى التربية والثقافة” يتطلب أو يُوجّه “الإسلاميين إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفة والاقتصاد والعمران والصحافة والاتصال. ورجال الدين حاليا جزء من المشكلة، فمعرفة أصول الدين لا تكفي لفهم الوقائع الاجتماعية. وهذا سبب قصورهم عن التأثير وصعود الجاهلين بثقافتي العصر والإسلام معاً”. فكما يلاحظ مورو، كما نعرف من معاينتنا لواقعنا، أن “أي شاب فقير ومهمش يمكنه أن يصبح شيخا وداعية بين ليلة وضحاها”. يكفيه الانتساب إلى أحد المراكز أو الحوزات الدينية المنتشرة. فيتحول إلى إنسان ذي هالة من القداسة أو ينتسب إلى داعش كأداة للترقي والتنفيس عن قهره الاجتماعي. علينا فضح استغلال الدين كوظيفة للترقي والاعتياش وكغطاء للإرهاب.

وهذا يتطلب إنجاز مهمة الإصلاح الديني، وإعطاء الحرية للعلميين بما فيها حرية النقد الديني الذي عرفته حركة الإصلاح البروتستانتي التي دعت إلى حرية تأويل النصوص المقدسة، وحاربت الطغيان الكنسي، ورفضت فكرة التوسط بين الرب وعباده، كما قامت هذه الظاهرة على تأكيد أولوية الإنسان ودعم استقلاله وإرادته، ورفعه إلى مستوى يكون فيه مرجع سلوكه، والقاعدة المعيارية لممارساته الاجتماعية، بإزاحة أنماط الشرعية السياسية المتعالية و”الحق المقدس.

فأن نكون علميين يعني أن نتقبل نتائج الأبحاث العلمية التي لا تحمل صفة معينة، فكما أن ليس هناك ماء ديني أو غير ديني حسب عبدالكريم سروش، فليس هناك علم إسلامي وعلم غير إسلامي. وكما أن للحكومات وظائفها وأدوارها فللعلم وظائفه وأدواره. وهو يشير إلى أن نتيجة ذلك تؤدي إلى الخلط بين الدين والمعرفة الدينية ويرى ضرورة الفصل بين الاثنين، فالدين كنصوص يختلف عن فهم الدين.

وهذا يتطلب من الباحثين نوعا من الاستقلال والحرية. لم يتطور العلم في الغرب إلا من خلال مجموعة صراعات فكرية من قبل أفراد مثل غاليلو، عندما اشتبكوا مع السلطات الكنسية من أجل ضمان قضايا تتعلق بمعرفتهم العلمية كما أنجزتها مقدرة الإنسان. فلم يكن قيام العلم الحديث مجرد انتصار للاستدلال التقني، وإنما كفاح فكري، فالعلم كبنية مؤسسات، إنما هو تجسيد لأدوار أفراد وأدوار مجموعات تستمد جذورها من روح فكرية خاصة وكذلك من سياق مشروع. أبطال النهضة اليابانية الحقيقيون للدولة الميجية هم “تجار المعرفة”؛ أولئك الباحثون عن المعارف والطلاب الذين يذهبون إلى القارات الأخرى بحثا عن المعرفة؛ المربون أمثال فوكوزاوا يوكيتشي الذي لم يحمل معه من رحلاته الحماس للعلم وللتقدم الغربيين فقط، لكن أيضاً المنظور من أجل بناء البنية التحتية المفاهيمية والمادية والاجتماعية، لكي يستطيعوا تأويل المعرفة وإنتاجها. وكان للإصلاح هدف آخر أساسي، إدخال أنظمة تربوية قوية وصلبة يتطلبها بناء الأوطان. فأين نحن من هذا؟

كاتبة لبنانية

9