الإرهاب داء تعدد مرضاه واختلف تشخيصه

دأب الإعلام على وضع الإرهاب والإرهابيين في خانة واحدة من حيث التوصيف والقراءة، مكتفيا بذكر تفاصيل العملية وهويّة منفذيها والجماعات الحاضنة والمدبّرة لها، ثمّ يعرّج على الارتدادات من مواقف سياسية وإجراءات أمنية.
الاثنين 2016/04/18
الإرهابي ليس بمعزل عن محيطه

تونس - ليس من مهمة الإعلام ذي الطابع الإخباري أن يغوص في حيثيات هذه الظاهرة التي ارتبطت بالإسلام السياسي إلاّ في ما تسمح به بعض التحاليل التي تستأنس لآراء الخبراء النفسانيين والاجتماعيين والأمنيين إلى جانب مراصد التوثيق وسبر الآراء.

ويميّز خبراء الإرهاب والباحثون في ملفات منفذيه بين صنفين مختلفين إلى حدّ التناقض الصارخ في السيرة والسلوك.

الأول جماعة من أصحاب السوابق العدلية ونزلاء السجون وهم من أخطر الأنواع الذين ساقتهم ظروفهم للانغماس في وحل الجريمة، فلم يجدوا مجالا للتراجع والتكفير عن ذنوبهم إلا في نهاية يرونها “تليق بالأبطال”.

والثاني جماعة من الذين عاشوا حياة تميزت بالعزلة وهم الذين عادة ما يبدي لهم معارفهم عميق دهشتهم واستغرابهم.

ينحدر أولئك الذين انغمست أيديهم في الجريمة من بيئات فقيرة أمثال الأخوين بكراوي في بروكسل وعبدالحميد أباعود في باريس، فلا شيء في نظر الذهنية الغربية يحمل على الاعتقاد بأن مثل هذا النوع من الأشخاص يمكن أن ينفذ أعمالا انتحارية باسم الدين، فهم خارج القضبان جماعة يحبون المال والسيارات الباهظة وبقية مظاهر الحياة المرفّهة ممّا يجعلهم في غالب الأحيان محط إعجاب أقرانهم من السجناء .

لا يمتلك هذا الصنف من الإرهابيين وعيا كافيا يتيح لهم قدرة نفسية على تجاوز سجلهم الجرائمي وطيّ صفحة ماضيهم بسهولة، وفي هذا الصدد تقول عالمة النفس السريري إميلي بوخوبزا لوكالة “فرانس برس” “عندما يتحولون إلى الإسلام المتطرف، يرى هؤلاء أعمالهم السابقة بمثابة جبل من الآثام. وبعد مرحلة معينة يجدون أنّ الحل الوحيد للتكفير عنها هوالسعي إلى الحصول على الجنة”.

يحتار الخبراء المختصون في الإحاطة بكل الأبعاد النفسية التي تجعل مثل هؤلاء يرتمون في أحضان الإرهاب من خلال حوادث وإشارات تبدو غامضة وغير مقنعة للعقلية الغربية مثل حالة خالد البكراوي الذي يملك في سجله حكما بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة سرقة سيارة تحت تهديد السلاح.

وأكدت نشرة “دابق” الإلكترونية التي يصدرها تنظيم الدولة الإسلامية أنّه “رأى مناما في السجن غيّر حياته بأكملها” بحسب تعبيرها، حيث “رأى نفسه بهيئة رامي قوس يحارب الكفّار إلى جانب الرسول”.

لا شيء يحمل على الاعتقاد بأن مثل هذا النوع من الأشخاص يمكن أن ينفّذ عملا إرهابيّا باسم الدين.. ولا حتى بغير الدين، هذا هو الانطباع الذي يحمله كل معارف هذا الصنف من الإرهابيين الذين يشهد لهم بـ”حسن السيرة والسلوك”.

وهذا ما صرحت به والدة منفذ العملية الإرهابية في مدينة سوسة التونسية، سيف الدين الرزقي، وقالت بأنها طلبت منه ذات مرة قتل فأر في المنزل فرفض قائلا “إنه لا يمكنه فعل ذلك”.

وأكدت والدة منفذ الهجوم أن ابنها “ضحية” وتعرض إلى “غسيل دماغ”، وأنها لا تصدق الأمر لأن ابنها ضحية كجميع الآخرين، وتعتقد أنه تعرض لضغط وربما تم تهديده بالقتل إذا لم ينفذ هذه المجزرة، بحسب ما نقلته “صنداي تايمز”.

تحدثوا عن حوادث وإشارات تبدو غامضة وغير مقنعة للعقلية الغربية البعيدة عن النسيج الثقافي الإسلامي

وقالت زوجة ياسين الصالحي المشتبه في تنفيذ اعتداء على مصنع في فرنسا وهو أب لثلاثة أطفال، إنها لم تظهر عليه أي علامات للتشدّد. وفي هذا الصدد يشير جون هورجان، وهو من أبرز علماء علم النفس السياسي المتخصصين في دراسة ظواهر الإرهاب والعنف السياسي، في أحد أبحاثه، إلى أن الانضمام إلى الشبكات الإرهابية، يتأثر بالظروف المحيطة بالفرد أكثر من تأثره بملامح شخصيته.

أما كيف تتمكن التنظيمات الإرهابية من اجتذاب بعض المجرمين دون سواهم، فلا يزال لغزا يتعلق بشخصية كل منهم.

ويضيف “يفجرون أنفسهم لأنهم يعتقدون أنهم بعد هذه اللحظة الصعبة سيدخلون الجنة، إلى عالم مثالي من السعادة سيجدون فيه كل التقدير الذي افتقدوه في حياة الإجرام. وهم يدفنون بطريقة أو بأخرى أنفسهم وحياتهم السابقة وعائلاتهم”.

ويضيف خبير الأمراض النفسية دانيال زاغوري الذي درس حالات عدد من عناصر الشبكات الجهادية، أن هؤلاء “يعوضون عن حياة الإجرام بعمل بطولي يظل ذكره إلى الأبد”.

ويتابع “لقد أوضح لي أحدهم أن الملائكة يطرحون على المرء أسئلة يوم الحساب قبل أن ينتقل إلى الجنة، بالنسبة إليهم الأمر ليس رمزا أو صورة أو استعارة. لا شك لديهم على الإطلاق بأن الملائكة سيحضرون”.

ومن جهته يؤكد مدير الأبحاث في كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في فرنسا فرهد خسروخوار، أن ما يساعد بعض المجرمين على التحول إلى التطرف هو “نوع من الكآبة” مرتبط بشعورهم بأنهم في طريق مسدود في حياتهم.

ويضيف “باستثناء تردد متكرر على السجن، فإن كل السبل مغلقة في وجوههم، مع الوقت، تصبح الأحكام أطول والشبهات دائمة. وهنا يمكن أن يظهر شعور بالحقد مختلف في طبيعته عما يمكن أن يشعر به الشبان في الضواحي”.

ويقول خسروخوار الذي يزور السجون والسجناء بانتظام “يمكن أن يؤدي ذلك إلى رغبة في نهاية بطولية كمن يقول “لستم أنتم من يضع حدا لحياتي عندما تضعوني في السجن لأموت ببطء، بل أنا من يقرر الموت على طريقة الأبطال”.

ويعتبر أن “الإسلام المتطرف يقدم دائما ملاذا، فالتطرف يضفي على الموت تحديات هي في الحقيقة تحديات الحياة، الموت يصبح تحديا أخيرا في وجه المجتمع وتمجيدا أخيرا للفرد، أي نوع من النرجسية الدفينة”.

بدورها تؤكد بوخبزا أن طالبي الجهاد يؤمنون أيضا و”دون أي مجال للشك” بأن تضحيتهم تتيح لهم أن يشفعوا بسبعين شخصا من اختيارهم كان مصيرهم جهنم، لإنقاذهم.

وتضيف بوخبزا التي تعمل على ظاهرة التطرف مع جمعية “إنتر اوتر” في نيس بجنوب فرنسا، “أعمل مع شاب هنا يقول لوالدته «إني أقوم بذلك من أجلك يا أمي”.

13