الإرهاب صنو الفوضى ونقيض السياسة

الجمعة 2015/01/23

الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. هذا ما قاله منظر الحرب والسلام الجنرال الألماني الشهير كارل فون كلاوزفيتز، وذلك للتعبير على أنه يمكن للسياسة أن تلجأ إلى الحرب، لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية عندما تفشل الوسائل الدبلوماسية في مسعاها، بغية توفير الشروط الضرورية لاستئناف هذه الأخيرة على أنقاض الحرب التي تتراجع دواعيها، لتتحول إلى سلوك ناشز ينبغي عزله ومحاصرته.

لكن الإرهاب شيء آخر تماما. إذ هو لا يخضع لا لقوانين الحرب، ولا يستجيب لمواصفات ولمحددات السياسة. بل يمكن القول إن الإرهاب مثله في ذلك مثل الفوضى باعتباره أحد تجلياتها، هو نقيض السياسة بامتياز، الأمر الذي يحتم على السياسة الدخول في مواجهة معه لا هوادة فيها بهدف القضاء عليه.

ولأن الإرهاب عدو وجودي للسياسة، فسيصبح محتما على كل ممارسي السياسة العمل على تضافر جهودهم في محاربة هذه الظاهرة وعدم تركها تستفحل وتتغوّل بشكل يجعلها خارج السيطرة.

غير أن الحرب على الإرهاب لا يمكن اختزالها في شكلها العنيف، على أهميته وحيويته القصوى، بل إنها قد تتخذ أشكالا متعددة لا تستثني الجانب الأيديولوجي الفكري أو الجانب السياسي العملي أو الجانب الاقتصادي أو الجانب الاجتماعي.

ذلك أن ظاهرة الإرهاب تختزن في طياتها كل هذه الأبعاد، مهما بدت متباعدة في موضوعها، وطرق اشتغالها ودرجات تأثيرها على مجرى حياة المجتمعات البشرية. ولا يمكن، بالتالي، القيام بالعزل النهائي والمطلق لبعضها عن البعض الآخر، لكونه عزلا مصطنعا، وغير منتج بل ربما تترتب عنه عواقب وخيمة على المدى القريب أو المتوسط والبعيد، على مجمل الحرب التي تخاض ضد الإرهاب.

أي بكلمة واحدة، أن الحرب على الإرهاب ينبغي أن تكون شاملة، ولا ينبغي أن تستثني أي بعد من أبعاد هذه الظاهرة الفتاكة بالمجتمعات والأمم. إذا أراد المنخرطون فيها التوصل إلى نتائج ملموسة في جهودهم المشتركة في محاربة هذا العدو المشترك الذي مهما قدّم نفسه على أنه حليف لهذا الطرف أو ذاك، في هذه الفترة أو تلك، فإنه لا يلبث أن ينقلب عليه، ويستهدفه بأقصى ما يملك من قوته التدميرية، لأنه يتصرف، أصلا، باعتباره عدوا للجميع، وبالتالي، فهو إما يسود أو ينهزم، ولا منزلة ثالثة بينهما.

أي أن الإرهاب ليس مجرد تيار سياسي منافس لما عداه من التيارات، التي لا يعدم نقط تقاطع معها، في مستوى ما من مستويات الممارسة، تتم ترجمتها من خلال تحالفات مرحلية أو استراتيجية تحددها درجات التقارب في الأهداف والوسائل، كما هو الشأن بالنسبة إلى أي ممارسة سياسية سوية، بل العكس، تماما، هو الصحيح، لأن الإرهاب هو النقيض المباشر للممارسة السياسية، وبالتالي ليس قابلا لإخضاعه لمقاييسها وقيمها، كما دلت على ذلك ممارسات كل التنظيمات الإرهابية، في التاريخ القديم والحديث.

ولقد تبيّن مع تتالي التجارب البائسة للتعامل مع المنظمات الإرهابية أنه رغم قدرة بعض القوى الإقليمية والدولية على استخدامها لتنفيذ بعض أجنداتها السياسية وربما العسكرية أيضا، فإنها ما أن تقوى على التحرك المستقل عن وصاية تلك القوى حتى ترتد عليها، هي ذاتها، وتعمل على تدميرها.

إن تجربة تنظيم القاعدة الإرهابي قدمت مثالا غير قابل للتفنيد، في هذا المجال. فرجال هذا التنظيم الذين تم استخدامهم في الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق عندما احتل هذا الأخير أفغانستان نهاية سبعينات القرن الماضي هم الذين نفذوا ما سماه تنظيم أسامة بن لادن «غزوة نيويورك وواشنطن» كناية عن اعتداءات 11 سبتمبر.

إن متابعة ما يجري في العراق وسوريا، راهنا، يدل دلالة قاطعة على أننا أمام الظاهرة إياها، وإن جاءت على نطاق واسع، بفعل تناسل التنظيمات الإرهابية بعضها من البعض الآخر، وتفريخ الآلة الإرهابية المحلية والإقليمية والدولية ما ليس قابلا للعد والحصر. فالقاعدة تفرّعت عنها تنظيمات كثيرة، منها جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، إضافة إلى تنظيمات إرهابية وميليشيات مسلحة تحت مسميّات مختلفة، لكن يجمعها كلها اعتماد الإرهاب والعنف الشامل أسلوبا في مواجهة الخصوم.

ويبدو أن إدراك دول الغرب التي ساندت هذه التنظيمات، في فترات معيّنة، لدواع ومبررات غير قابلة للدفاع عنها، على أي مستوى، نظرا للمخاطر الكثيرة التي يجلبها مثل هذا السلوك، حاولت تنظيم تحركها المضاد، تجاه هذه التنظيمات، وإن بخجل كبير وواضح، ذلك أن الدفع بالمنطق الجديد إلى نهايته المنطقية سيفرض عليها إعادة النظر بصورة جذرية في تكتيكاتها السياسية واستراتيجياتها في المنطقة، إلى حد يمكن فيه أن يتحول عدو الأمس إلى حليف اليوم، وربما المنقذ الوحيد من المأزق الذي تتخبط فيه السياسات الغربية تجاه التنظيمات التي كانت أدواتها في تخريب وتدمير المجتمعات والدول، وتجاه تلك الدول التي كانت الضحية الأولى لسياساتها التدميرية في المنطقة، تحت مسمّى الفوضى الخلاقة الذي هو، في الواقع، مصطلح متناقض في مبناه ومعناه على حد سواء.

لكن يبدو أن تعقيدات ظاهرة الإرهاب وتداخل مستوياتها، وتعدد أبعادها تجعل من العمل العسكري، الجزئي أو الشامل، مستوى فقط من مستويات المواجهة الضرورية معها، ذلك أن ضرورته الملحة لا تعني أنه كاف للقضاء على الإرهاب، بما هو ظاهرة شاملة لمختلف المستويات الفكرية الأيديولوجية والسياسية.

من هنا، فإنه ينبغي فتح كل الجبهات الممكنة في مواجهة الإرهاب، وذلك بالتوجه إلى جذوره الفكرية والأيديولوجية الدينية التكفيرية أو غيرها، وعدم مهادنة ممارساته السياسية، تحت أي ذريعة كانت، وتجفيف منابعه المالية والبشرية عبر إجراءات صارمة رادعة لكل من يحاول التحرك، هنا أو هناك، لإنقاذه من مآزقه أو تخفيف الطوق والحصار الذي ينبغي على كل قوى التحرر والتقدم والحداثة إحكامه حوله، لشل حركته، وإضعاف مفاعيله السلبية على المجتمعات والدول، تمهيدا لتحييده والقضاء على كل ما يمكن القضاء عليه من أذرعه المختلفة.

12