الإرهاب فينا وبيننا

الاثنين 2014/07/21

الإرهاب يضرب بقوة في ليبيا والعراق وسوريا واليمن وتونس ومصر، الإرهاب يذبح ويفجّر ويطلق الرصاص ويبقر البطون ويستلذ بسفك الدماء، الإرهاب يدّعي أنه يسيّر قاعة عمليات إلهية فوق الأرض، يحاسب الناس قبل يوم الحساب، ويعيد ترتيب أوراق التاريخ بما يشتهي وكما يشتهي.

يتحدث الإعلام والمحللون والخبراء الأمنيون ورجال السياسة والناس العاديون عن جماعات إرهابية يذكرونها بالاسم، يتحدثون عن “القاعدة” و”أنصار الشريعة” و”داعش” و”جند الله” و”أنصار بيت المقدس″ وغيرها، ويجهلون أو يتجاهلون أن الإرهاب تحوّل منذ الشرارة الأولى لعاصفة الخريف العربي إلى ظاهرة ذات وجوه سياسية وإعلامية واجتماعية واقتصادية وثقافية وحزبية وجمعياتية وحتى حكومية في بعض الأحيان.

الإرهاب يا سادة، بات يمشي معنا في الشوارع والأسواق، يجلس معنا في المقاهي والمطاعم، يستقلّ معنا المترو والقطار والحافلة والتاكسي الجماعي، الإرهاب بات يظهر في عيون ساسة حاقدين على المجتمع، وفي عيون نواب عن الشعب وزعماء أحزاب وإعلاميين ومثقفين، الإرهاب تراه أحيانا في نظرات البقّال والخضّار والقصّاب وسائق سيارة الأجرة، الإرهاب يخرج علينا من ملامح وجوه تتحدث من شاشات التليفزيون عن الحرية والديمقراطية والتعددية والتسامح ونبذ العنف، الإرهاب يكاد في

بعض الأحيان يخترق الأثير ويطلع علينا من ذبذبات المذياع ليقول لنا : أنا هنا.

الإرهاب صار فكرة لا حدود تقف أمامها، وصار ثقافة تجد من يروجها بكل حماس واندفاع، ومشروعا سياسيا تدعمه آلة إعلامية ضخمة وإمكانيات مالية استثنائية.

الارهاب ليس وليد مؤامرة فقط، وإنما هو جزء كامن في ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا وذاكرتنا ونصوصنا وتراثنا، وقد وجد من ينفخ في صورته ويعيد بعثه بقوة لخدمة أهدافه ومصالحه، وتم الاعتماد على قراءات معيّنة للدين، هي بالتأكيد ليست جديدة، وإنما تعود إلى بداية التاريخ الإسلامي، واستمرت من جيل إلى جيل، إلى أن وجدت في عصرنا الحالي تربة خصبة لزراعة الحقد والكراهية بين الناس اعتمادا على تقنيات ووسائل اتصال حديثة وثروات ضخمة وأحزاب سياسية وجمعيات ومنظمات خيرية وفتاوى تكفيرية ومخابر خارجية.

الإرهاب أصبح عنصرا من عناصر شخصيتنا وثقافتنا، ولا يبحث إلا عن فرصة للانفلات والخروج من القمقم ليقول: ها أنا ذا.

هل علينا أن نعيد النظر في ثقافتنا وفي شخصيتنا ؟ أعتقد أن ما يحدث حاليا يفرض علينا لحظة صدق مع الذات وإعادة قراءة للتاريخ بكثير من التأني، ويفرض على رجال الدين أن يبحثوا عن تفاسير جديدة للنصوص المقدسة تؤمن بالحياة وتقدسها وتدافع عن التنوع والتعدد وتواكب العصر وتنزع الغطاء عمن يدعون تمثيل الله في التمثيل بالناس.

24