الإرهاب في أفغانستان: في الأمر خيانة

الجمعة 2017/06/02

ربما لا يكترث معظم العالم بالإرهاب المتفشي في أفغانستان على اعتبار أن هذه الذميمة مُنتج محلي عريق وأمر مستدام يُستبعد حدوثه في كل وقت، فضلا عن الافتراض أن الأفغان من كل الأطياف قد تعودوا على التعايش مع الموت. فمهما تصاعدت أرقام الضحايا يظل معظم العالم يرى الأمر شأنا يخص أمة بعيدة، ازدحم تاريخها بالحوادث، وكان بلدها مسرح التكوين الأول لتشكيلات الإرهابيين شبه النظامية، التي أقامت بُنيتها ومعسكرات تدريبها واختارت مراكز انتشارها، واستحوذت على السلاح، بمساعدة الأمريكيين وحلفائهم، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي وأثناء وجود قواته في أفغانستان.

التفجير الأخير في كابل الثلاثاء الماضي أردى 90 قتيلا على الأقل معظمهم من المدنيين. وقد استتبع الجريمة، على فظاعتها، متغيران لافتان، الأول تبرؤ طالبان من التفجير وقولها في بيان أصدرته إنها لا تقتل مدنيين أبرياء. ما يعني أن مجموعات القاعدة تناسلت وتنوعت، حتى أصبحت ذات تدرّجات، ولها يمين ويسار، الأول يقتل بلا تمييز، بينما الثاني يميّز بين العسكريين والمدنيين. أما المتغير الثاني، فتمثله مجموعات منشقة عن طالبان رأت أن قيادتها انحرفت عن منهج العصيان و”الجهاد” الصحيح، وهذه المجموعات، تميل إلى ما يسمّى تنظيم “الدولة الإسلامية” نظير داعش في أفغانستان، وتلك منظومة أخرى تعمل من شرقي البلاد وتستهدف المدنيين ولا تُخفي ذلك أو تنكره.

استهدفت شاحنة الثلاثاء الماضي معبأة بالمتفجرات حي وزير أكبر في كابل، حيث توجد السفارات، وهو الحي الأكثر أمنا في العاصمة الأفغانية لقربه من القصر الرئاسي. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها لكن الطرف المرشح لارتكاب هذه الجريمة هو إحدى المجموعات المنشقة عن طالبان. وكانت هذه الأخيرة تتباهى بإنجازاتها على صعيد استهداف العسكريين. ففي شهر أبريل الماضي، هاجمت قاعدة نزار شريف للجيش الأفغاني وقتلت 100 جندي وضابط.

في هذا المشهد، لا يُستبعد أن تتداعى الأمور لكي يبدأ التذابح المُضني بين هذه الوحوش كلها، مثلما يحدث في سوريا. فقد ذُهل المختصون في الأمن من استعادة هذه المجموعات لما فقدته طالبان نفسها، وهو القدرة على تعبئة شاحنة بالمتفجرات وإيصالها عبر الطرق المعتادة إلى أكثر النقاط أمنا في العاصمة. فهذا يدل على أنها باتت تمتلك منظومات عمل متكاملة وعناصر اختراق، ما يعيد الوضع الأمني الأفغاني إلى نقطة الصفر. في هذا الخضم، يُلاحظ من خلال ردود أفعال الحكومة الأفغانية أنها لا تملك أي خيارات سوى الاستمرار في مكافحتها لظاهرة الإرهاب لعلها تربح القليل من ثقة الرأي العام التي تساعدها على إعادة الأمور إلى سياق أفضل. فمنذ أن انسحب معظم القوات الأميركية في العام 2014 أصبحت العمليات الإرهابية في تصاعد، وشهد العام الماضي وحده سقوط نحو 12 ألفا بين قتيل وجريح، وقد وقع كل أولئك الضحايا فيما الحكومة المركزية تبسط سيطرتها على أكثر من نصف مقاطعات البلاد.

وللكارثة الأفغانية الأمنية أبعاد سياسية ودبلوماسية وأمنية. فمن الناحية السياسية لا تزال الحكومة تُعتبر فاسدة وأعضاؤها غير متضامنين أو لا يستطيعون العمل كفريق، ما يسهل الاختراق الأمني. ومثلما هو الحال، عندما تكون الانحرافات الفاجرة للقائمين على أمور البلاد سببا في تنامي ظاهرة التطرف والإرهاب؛ لا يزال هذا البلد، الذي كان مشتلا لإنتاج المتشددين الجهاديين يعاني من مثل هذه الانحرافات.

ويعرف الرأي العام أن عبدالرشيد دستم، نائب الرئيس وأمير الحرب الأوزبكي السابق فاسد ويواجه اتهامات بانتهاكات جنسية وجنائية، وقد توارى عن الأنظار وقيل إنه حاول الحصول على اللجوء السياسي في تركيا. أما رئيس البلاد الحالي أشرف غاني، فهو على خلاف عميق مع الرئيس التنفيذي عبدالله عبدلله، حول معظم القضايا. ويتعلق البعد الدبلوماسي لمأزق كابل بمحاولات الرئيس غاني قطع شريان الإعانات الخارجية التي تصل إلى طالبان عن طريق باكستان. وليست باكستان في الحقيقة، هي مصدر الإعانات التي تتقصى الحكومة الأفغانية مصادرها.

فباكستان مجرد ساحة وسيطة، أما التقارير السرية التي باتت في حوزة الحكومة الأفغانية، فإنها تؤكد على أن إيران وروسيا يحتمل أن تكونا مصدر إعانات التسليح التي تتلقاها طالبان لأسباب جيوسياسية شبيهة بأمثلة العلاقات الخلفية الغامضة بين متطرفي السلفية الجهادية السنية والإيرانيين لخلط الأوراق وتسهيل إقصاء المكون السني في العراق والأغلبية الشعبية في سوريا. ويقول الأفغان، إنه ما لم تنقطع خطوط الإمداد الخارجية عن طالبان، فإن البلاد ستظل تواجه تحديات أمنية خطيرة.

السؤال إذن، من هي الأطراف التي تحاول الحفاظ على أفغانستان مشتلا لإنتاج الإرهابيين وتسعى إلى الإجهاز على الجيش الأفغاني وتشتيته؟

تستهدف طالبان الجيش الأفغاني وقد شنّت عليه حربا بلا هوادة طوال العديد من السنوات، حتى تردت معنويات هذا الجيش القوي الذي يبلغ تعداده 170 ألفا ووصلت إلى الحضيض. ولم تعد هناك وحدات عسكرية فعالة سوى تلك الكتائب القليلة التي دربها الأميركيون. أما باقي الجيش، فهو ينتشر في مساحات واسعة، ويواجه مجموعات إرهابية مسلحة ومتنوعة.

مأزق أفغانستان متعدد الجوانب والأسباب، ولعله من المبكر التساؤل عن الدور الإيراني فيه أو عن طبيعة الدور الروسي وعلته. ويبقى السؤال ما الذي ستفعله حكومة الرئيس أشرف غاني لمواجهة هذه التحديات؟

ليست ثمة إجابة، لأن الحكومة الأفغانية لم تعد على يقين بأن الولايات المتحدة مازالت من ضمن الأطراف التي تدعمها، أو أن واشنطن لديها خطة للمساعدة على استقرار أفغانستان، أو أنها تعطي أي أولوية لمصير هذا البلد. فما هو معلوم اليوم أن أفغانستان مهددة بخطر الانزلاق إلى أوضاع التسعينات من القرن الماضي وهو ما يدعو إلى التساؤل، من هم أصحاب المصلحة في ذلك؟ ليس ثمة إجابة الآن، بحكم ندرة المعطيات الدامغة، لكن الأمر المؤكد أن في الأمر خيانة.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

7