الإرهاب في الجزائر ومصر.. مواجهة مختلفة وخلفيات متباينة

السبت 2017/12/02

تذهب بعض الكتابات البحثية والإعلامية إلى المقارنة بين التجربتين الجزائرية والمصرية في كيفية مقاومة ظاهرة الإرهاب، وتعتقد- رغم خصوصية كل مجتمع- أن تقارب التجربتين كونهما ولدتا من الصراع حول السلطة، وتدخل الجيش في البلدين لحسم الأمر لصالح الدولة الوطنية، في شكلها الظاهر على الأقل، غير أن هذا الاستنتاج تجافيه الحقيقة، إذ لا يوجد أي تقارب بين التجربتين، ولا تنهلان من معين واحد من أنهما تأسستا على خلفية التوظيف الديني في المجال السياسي، كما أن نتيجتهما لجهتي خروج الجزائر من الإرهاب- بنسبة كبيرة- منذ أكثر من 17 سنة، وخروج مصر منه في المستقبل الذي لا يمكن تحديد تاريخه، لن تكون واحدة، ناهيك على أن تكلفة الحرب على الإرهاب، ماديا وبشريا ومعنويا، في البلدين لن تكون واحدة.

يبدو الاختلاف بيّنا في الأسباب السياسية المباشرة لظهور الإرهاب في الدولتين، فالدولة المصرية بقيادة الجيش قامت بإبعاد الإخوان المسلمين من السلطة، وهم في سدة الحكم وعلى مستوى الرئاسة، وقد ساعدها على ذلك ارتكابهم أخطاء جسيمة في حق الدولة والمجتمع والأرض، وتكتل معظم قوى الشعب ضدّهم، وإدراك المؤسستين الأمنية والعسكرية للمخاطر نتيجة بقائهم في الحكم، وتأييد ومباركة المؤسسات الدينية لدور الجيش، وخروج غالبية الشعب في مظاهرات تطالب بإبعادهم.

وهذا على عكس التجربة الجزائرية، إذ تحركت قوى المجتمع المدني بعد الفوز الكاسح للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات البرلمانية في دورتها الأولى، ولكن عامة الشعب، والكثير من النُّخب المثقفة كانت مناصرة لهذه التجربة الديمقراطية، وذلك في ظل حل للبرلمان، واستقالة للرئيس الشاذلي بن جديد، ووقوف الجيش لوحده أمام تمرد شعبي شبه تام، ما يعني أن الأسباب الدافعة للإرهاب في البلدين ليست واحدة، إلا إذا اعتبرنا انتفاضة 5 أكتوبر 1988 في الجزائر والثورة على نظام الرئيس محمد حسني مبارك في نهاية 2010 خلفيتين لانطلاق جماعات الإسلام السياسي، نتيجة مرور الدولتين بأزمة هزت أركانهما، وأدت إلى توتر الجبهة الداخلية فيهما.

المقارنة السابقة، رغم عدم دخولها في تفاصيل كثيرة ذات صلة بأحداث اليوم في مصر على وجه الخصوص، إلا أنها تعطي تصورا عاما يكشف أن التجربتين الجزائرية والمصرية ليستا متقاربتين في كيفية التعاطي الأولي مع أسباب ظهور الإرهاب، باعتباره دفاعا عن حق مسلوب من تيار الإسلام السياسي، فالتجربة التعدديّة في الجزائر التي سمحت بقيام أحزاب إسلامية، كانت محل رفض ونقد من دول عربية كثيرة، خاصة تونس بقيادة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ومصر بقيادة الرئيس الأسبق حسني مبارك، ما يعني أن مصر، أقصد الدولة هنا، احتاطت سرّا وعلانية، وعبر خطة إستراتيجية طويلة المدى من وصول الإسلاميين إلى السلطة بناء على تجربة الجزائر، ومع هذا فقد وصلوا، وأبعدوا، ونتيجة لذلك دخلت مصر في دوامة الإرهاب الحالي.

ومن ناحية أخرى فإن الظرف الزمني مختلف في التجربتين، فإذا كانت الجزائر قد واجهت الإرهاب في العقد الأخير من القرن العشرين، فإن مصر تواجهه اليوم في نهاية العشرية الثانية من بداية القرن الحادي والعشرين، وحسابات دول العالم مختلفة بين الزمنين، وفي الجانب المتعلق بالمكان، فالجزائر لم تكن من دول المواجهة، وعدوها التقليدي هو الاستعمار وإسرائيل، كما أنها واجهت الإرهاب وسط محيط هادئ، ولذلك عملت على تطويق الإرهاب حتى يظل داخل حدودها.

وحين ألقت القبض على عناصر إرهابية من دول الجوار لم تعلن ذلك، حفاظا على علاقتها بها أولا، ولعدم إعطاء فرصة للجماعات الإرهابية للانتشار وجعل أعمالها الإجرامية تحمل طابعا إقليميا ثانيا، وهذا عكس مصر التي هي من دول المواجهة تاريخيا، واليوم محاصرة بالإرهاب من كل الجهات، وترى أن هزيمة الإرهاب داخلها تكون بالتصدي لعناصره الموجودة خارجها، معتبرة ذاك حربا استباقية، وهو في الواقع نوع من تشتيت الجهد، وإشغال الدولة المصرية عن الجماعات الإرهابية الموزعة في عدد من المناطق، وخاصة سيناء.

التّجربتان الجزائرية والمصرية مختلفتان على صعيد الواقع الدولي أيضا، فالجزائر كانت تحارب الإرهاب وهي لا تحظى بأيّ دعم دولي، وهناك من ناصبها العداء واعتبر نظامها معاديا للديمقراطية وحقوق الإنسان، وقامت عدة جماعات إسلامية أصولية، ومن منابر دول عربية، باتهام النظام الجزائري بالطغيان، وأحيانا بالكفر، وراهنت أنظمة كثيرة على تقسيم الجزائر وفشل نظامها الحاكم، وحدوث صراع بين قادة الجيش، ودعمت دول غربية كثيرة، منها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، الجماعات الإرهابية بمختلف وسائل الدعم.

وهذا كله على خلاف التجربة المصرية في الوقت الراهن، حيث الإرهاب عمَّ العالم، وتتحالف كل الدول ضده، وتدّعم مصر من أجل القضاء عليه ماديا ومعنويا، والجماعات الإرهابية مطاردة من كل القوى الأمنية في العالم، مع الاعتراف بأن الوقت الحالي يشهد تدخلا دوليا علنيا في المنطقة العربية لم يكن في تسعينات القرن الماضي، وفي الحالات القليلة التي حاولت فيها دول بعينها ومنظمات حقوق الإنسان أن تتدخل، قوبلت بالرفض من نظام الحكم الجزائري وحتى من بعض الجماعات الإرهابية.

وإذا كان من الصعب مقارنة الماضي الجزائري القريب بالحاضر المصري، والذي يُرَى من منظور الاستمرارية بخصوص مواجهة الإرهاب، فإن مصر كغيرها من الدول العربية لم تستفد من أسلوب الحرب على الإرهاب في الجزائر، فقد تمكنت هذه الأخيرة من تجنيد الشعب، المعروف تاريخيا بعداوته لسلطة الدولة المركزية، لمواجهة الإرهاب بعد أن قضى أربع سنوات داعما للجماعات الإرهابية، ثم متعاطفا معها، وست سنوات أخرى خائفا يترقب انتصارها أو فشلها في حربها مع الجيش، وهذا لم تصله مصر بعد ربما لأنها لا تزال في البداية، مع أن الشعب المصري عرف بتأييده ودعمه شبه المطلق لسلطة الدولة المركزية منذ الآلاف من السنين.

مسألة أخرى في غاية الأهمية، تعتبر علامة فارقة بين التجربتين، وهي القراءة الظاهرة للإرهاب بين العاطفة والعقل، فمثلا نظرت الدولة الجزائرية إلى الجماعات الإرهابية من زاوية الإجرام وليس الإيمان، إذ في الوقت الذي كفرت فيه الجماعات النظام والجيش والشعب، لم يأت في الخطاب الرسمي للدولة الجزائرية ما يسحبها للدخول في ساحة تفرضها الجماعات الإرهابية، يتعلق الفعل أو الخطاب فيها بالتصور الصحيح أو الخاطئ للإيمان، على عكس مصر اليوم حيث تجرّ إلى خطاب يشغلها عن المواجهة الحقيقية للإرهاب، ومع أن الفعل الإجرامي للإرهاب على النحو الذي شاهدنا في مسجد الروضة يُشيع حزنا اجتماعيا عاما، فإن الصّيغ التعبيرية على المستويين السياسي والثقافي أسهمت في تعميم ثقافة الخوف وهذا لصالح الجماعات الإرهابية.

لا شك أن الجزائر في حربها على الإرهاب استفادت من تجربة التضحيات الكبرى في حرب التحرير حيث القتلى بالمئات من الآلاف، لذلك لم يؤثر عليها لجهة الصمود حين بلغ عدد القتلى حسب بعض الإحصائيات 200 ألف قتيل، وأكثر من 500 ألف جريح، والآلاف من المفقودين، بمعدل لا يقل عن 55 قتيلا كل يوم لمدة عشر سنوات، وهناك قرى صغيرة أبيدت بالكامل، في ما عرف بالمجازر، ومنها مجزرة بن طلحة قرب العاصمة.

ومع خصوصية التجربة الجزائرية، تاريخا وموقعا وثقافة وتجربة بشرية، إلا أنه يمكن لمصر أن تستفيد منها، لأنها لا تدري متى يتم الانتصار على الإرهاب بشكل نهائي، يضاف إلى ذلك تغيير خطابها الرسمي الخاص بمواجهة الإرهاب، لجهة أمرين، الأول هو التخلص، قولا وفعلا، من الترويج لفكرة أن مصر تعمل على حماية المنطقة العربية والعالم من الإرهاب، لأنه مطلوب منها حماية نفسها أولا. والثاني الاعتراف بأن جماعات الإسلام السياسي هي زرع مصري امتدّ إلى كل الدول العربية الأخرى. صحيح هو زرع شيطاني ولكن لا يتم تحميل الآخرين وحدهم جرائمه التي هي جزء من جرائم الجماعات الإرهابية في كل دول العالم.

كاتب جزائري

9