الإرهاب في العراق لعبة معقّدة لا تختصر بداعش والقاعدة

تواطؤ سياسيين ونواب عراقيين مع تنظيم داعش لا يشكّل مفاجأة في بلد يعرف فوضى سلاح عارمة، وصراعات سياسية ضارية لا يتردّد أطرافها في توظيف أقذر الوسائل للتغلب على خصومهم ولتحصيل أقصى ما يمكن من المكاسب.
الجمعة 2017/03/10
معركة الموصل ليست آخر النفق

بغداد - فاجأ اتهام نائب عراقي زملاء له بمجلس النواب بالتواطؤ في إدخال عناصر إرهابية إلى العاصمة بغداد، الرأي العام المحلّي، لكنّه رسّخ قناعة خبراء الشؤون الأمنية بشأن مدى تعقيد “لعبة” الإرهاب في العراق وتشابك خيوطها مع الصراعات السياسية والمصالح المادية.

ونُقل، الخميس، عن النائب شاخوان عبدالله، عن كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني قوله إنّ نوابا عن محافظة نينوى يقومون بالتواصل مع أقرباء لهم منتمين لجماعات إرهابية داخل المحافظة ويهرّبونهم إلى العاصمة بغداد.

وقال عبدالله لموقع السومرية الإخباري، إنّ لديه معلومات عن أنّ لبعض السياسيين والنواب السنّة الموالين لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي أبناء وأقارب إرهابيين ب‍الموصل ولهم تواصل معهم و”يستغلون صفة الحشد الشعبي لتهريب هؤلاء الإرهابيين إلى العاصمة”، مؤكّدا أنه “تم بداية هذا الأسبوع طرح هذه القضية في لجنة الأمن والدفاع النيابية، للتأكد من دقة هذه المعلومات بغية اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم في حال ثبوتها”.

ورغم ما ترصده الدولة العراقية من مقدّرات ضخمة مادية وبشرية لضبط الوضع الأمني في عدّة مناطق على رأسها العاصمة بغداد، إلاّ أن تأمين تلك المناطق وحماية الأرواح والممتلكات يظلّ معضلة المعضلات، حيث لا تنقطع التفجيرات بالسيارات المفخّخة والأحزمة والعبوات الناسفة عن حصد الضحايا بالعشرات.

ويبدو هذا الفشل الأمني المزمن في العراق غير مبرّر سوى بوجود اختراقات داخل الأجهزة الأمنية، وتواطؤ من قبل سياسيين نافذين يستخدمون الظاهرة الإرهابية لتصفية حسابات في ما بينهم، أو لإدامة وضع الانخرام الأمني الذي يستفيدون منه.

وحين شهدت العاصمة بغداد تفجيرات ضخمة خلال السنة الماضية ومطلع السنة الجارية أوقعت المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى، وكان أكثرها دموية على الإطلاق تفجير منطقة الكرادة في يوليو من العام الماضي، لم تتردّد جهات سياسية شيعية متنافسة في ما بينها على السلطة في توجيه أصابع الاتهام لبعضها البعض بالتواطؤ أو التراخي في ضبط الأمن لتسهيل دخول المفجّرين إلى مناطق بعينها لمعاقبة سكّانها المحسوبين على هذا التيار أو ذاك.

ومن السيناريوهات التي طُرحت في أعقاب بعض التفجيرات، تواطؤ مسؤولين أمنيين وقادة ميليشيات من خصوم رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر للاقتصاص من سكان الأحياء التي تمثّل ثقله الجماهيري والذين استخدمهم في مظاهرات استهدفت كبار خصومه وفي مقدّمتهم رئيس الوزراء السابق، زعيم حزب الدعوة الإسلامية، نوري المالكي.

الأرضية لا تزال مهيأة سياسيا واجتماعيا لتنظيم داعش وربما لتنظيمات أخرى ستنشأ لاحقا لممارسة نشاطها الدموي

وخارج بغداد يشكو سكان محافظات سنية تصفها الحكومة بالمحرّرة من تنظيم داعش مثل ديالى وصلاح الدّين والأنبار من هشاشة الوضع الأمني ما يجعلها عرضة لهجمات متكرّرة وتفجيرات دامية توقع ضحايا بالعشرات بين سكانها، وتعطّل محاولة استعادة الحياة الطبيعية وتنشيط الدورة الاقتصادية فيها.

وقتل مساء الأربعاء ما لا يقل عن ستة وعشرين شخصا وأصيب خمسة وعشرون آخرون في هجوم انتحاري بثلاثة أحزمة ناسفة استهدف حفل زفاف في قرية الحجاج شمال مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدّين.

وتساهم الميليشيات الشيعية وجماعات سنيّة مسلّحة في مسك الأرض وضبط الأمن في تلك المحافظات المستعادة من داعش، لكن السكان يشتكون من عدم مهنية تلك الفصائل، ويصلون حدّ اتهام بعضها بالتواطؤ في إدخال إرهابيي التنظيم إما بدافع الانتقام من سكان بعض المناطق، أو للحصول على رشى ومنافع مادية.

وخلال الفترة الماضية نشب خلاف بين فروع من عشيرة الجبور على تولي منصب محافظ صلاح الدين، ولم يتردّد أحد الفريقين في اتهام قائد ميليشيا محلّية ضمن الحشد الشعبي يدعى يزن الجبوري بتبرئة أعداد من المتعاونين مع تنظيم داعش مقابل حصوله على مبالغ مالية، وببيعه مواد غذائية وتموينية إلى عناصر التنظيم في الشرقاط والحويجة.

ويرى عراقيون أن فوضى السلاح المستشرية في بلدهم، ووجود قوات غير نظامية متعدّدة الولاءات من ميليشيات شيعية وسنيّة، تجعل الحرب الدائرة حاليا ضدّ تنظيم داعش رغم تقدّمها الكبير وبلوغها منعطف الحسم في مدينة الموصل، غير فاصلة في إنهاء الإرهاب بالبلد وفي استعادة الاستقرار المفقود.

وقال رئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق طالب شغاتي، الخميس، إن القوات العراقية تهدف إلى إخراج مقاتلي تنظيم داعش من القسم الغربي لمدينة الموصل في غضون شهر رغم أنها تخوض قتالا صعبا في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، فيما أعلن الفريق عبدالأمير رشيد يارالله قائد حملة نينوى سيطرة قواته على حيين آخرين بالمدينة.

ويرى سياسيون وقادة رأي عراقيون أنّ حلّ المعضلة الأمنية يكمن في ضبط السلاح وحصره بيد الدولة وحلّ القوات الموازية للقوات النظامية، وهو ما لا يبدو متاحا في ظلّ ضعف الحكومة ووجود مراكز قرار متعدّدة في البلد يدين أغلبها بالولاء لإيران ذات الخبرة الكبيرة في تشكيل الميليشيات التابعة لها بأكثر من بلد عربي من ضمنها العراق وجعلها حارسة لنفوذ أتباعها في تلك البلدان.

ويرى خبراء الشؤون الأمنية أن العراق مقبل في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية على حرب أمنية لا تقل ضراوة عن الحرب الدائرة حاليا، إذ لا تزال الأرضية مهيأة سياسيا واجتماعيا للتنظيم وربما لتنظيمات إرهابية أخرى ستنشأ لاحقا لممارسة نشاطها الدموي، مستغلة المناخ الطائفي السائد بالبلد.

3